تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٩٦ - الجهة الأولى في كيفية الظهور بعد الغيبة
و طريقة اطلاعه على تمخض التخطيط الالهي عن نتائجه.
فباعتبار هذين التساؤلين، ينبغي ان نتكلم في جهتين:
الجهة الأولى: في كيفية الظهور بعد الغيبة.
و اذا نظرنا الى الظهور من هذه الزاوية، نجد ان له معنيين مقترنين عملي و نظري، يصدقان معا:
المعنى الأول: و هو المعنى العملي ... و هو ان يرى الناس الامام المهدي (ع) في أول ظهوره، فيعرفهم بنفسه و يكشف لهم عن صفته الحقيقية، و يطالبهم بنصره و مؤازرته. و هذا ما سنعرف تفاصيله في هذا القسم من التاريخ.
المعنى الثاني: و هو المعنى النظري ... و يتلخص بارتفاع الغيبة التي كان (عليه السلام) قد اتخذها مسلكا لنفسه، طبقا للتخطيط الالهي .. سواء كان معنى الغيبة هو (أطروحة خفاء الشخص) أو (أطروحة خفاء العنوان) اللذين شرحناهما في التاريخ السابق، فيكون شخصه مكشوفا و عنوانه معروفا .. تقديما لانجاز مهامه العالمية، المتوقعة منه منذ الآن.
فان صحت (أطروحة خفاء الشخص) الاعجازية، كان معنى الظهور ارتفاع المعجزة عنه و انكشاف جسمه للناس، مضافا إلى ضرورة تعريفه اياهم بنفسه و اطلاعهم على حقيقته. فان هذه المعجزة انما كانت سارية المفعول في اخفائه لأجل حفظه من الأعداء و الطوارئ ليتولى القيادة الكبرى في اليوم الموعود. فاذا حل اليوم الموعود، و اجتمعت شرائطه، لم يكن لبقاء ذلك الاختفاء من موضوع.
و ان صحت (أطروحة خفاء العنوان) التي هي طريق لحفظ الامام يغني عن الطريق الاعجازي، الا في أوقات الخطر، كما سبق ان ذهبنا إليه في التاريخ السابق ... كل ما في الأمر انه (عليه السلام) يعيش (بشخصية ثانوية) متكونة من اسم مستعار و عمل معين و اسلوب في الحياة غير ملفت للنظر و لا يمت الى الامامة و القيادة بصلة.
و مقتضى هذه الأطروحة انه ليس هناك أي اعجاز في الاختفاء ليحتاج الى زواله، بل يكفي في الظهور: أن يبدل المهدي (ع) شخصيته الثانوية بشخصيته الحقيقية، و يعرف الناس بصراحة بصفته الواقعية، و يقيم الحجة على ذلك، بالأسلوب الذي سوف يأتي.
فيثبت باليقين على ان هذا الشخص الذي كان يسمى بفلان و يعمل كيت، انما هو المهدي الموعود. و قد باشر من الآن مهماته الكبرى.