تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٥٠ - الجهة الثالثة في تحديد مقدار إيمانهم
وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» الآية [١].
و إذا حاولنا فهم هذه الآية من زاوية التخطيط العام. كان (الذين آمنوا) المخاطبون في الآية هم مؤمنون ما قبل التمحيص. و هم يصبحون بالتمحيص منقسمين إلى قسمين، قسم مرتد عن دينه نتيجة للفشل في التمحيص و لردود الفعل السيئة التي اتخذها تجاه الوقائع، تلك الردود المنافية مع إيمانه و المنافرة مع الحق و الهدى فأصبح التزامه لها ارتدادا كما قالت الآية.
و القسم الآخر الذي ينتجه التمحيص تدريجيا و ليس فورا، هم المؤمنون الناجحون، في التمحيص «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ». و هؤلاء طبقا للتخطيط العام لا يمكن أن يكونوا إلا هؤلاء الذين ذخرهم اللّه لنصرة الإمام المهدي (ع) فانظر لاهتمام اللّه تعالى في قرآنه الكريم بهذه المجموعة العادلة الكاملة.
و هم «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» لشعورهم بالأخوة الإيمانية «أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» و المنحرفين و المرتدين أجمعين، لفشلهم جميعا في التمحيص. «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» خلال الفتح العالمي بالعدل و من أجل تأسيس الدولة العالمية العادلة. «وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» مما يقع منهم من الأعمال المضرة بمصالح المنحرفين و الموجبة لغيظ الكافرين. كيف و ان نجاحهم في التمحيص لم يكن إلا نتيجة لأمثال هذه التضحيات التي أدوها خلال الحياة، حتى أصبح العدل و الهدي هو مقصودهم فوق كل مقصود، لا يزحزحهم عنه عتب عاتب و لا تأنيب مؤنب. و إذا كان ديدنهم السابق على ذلك في عصر الفتن و الانحراف، فكيف لا يكون ذلك مسلكهم بين يدي إمامهم و قائدهم و الإنجاز هدفهم الأعلى العادل الصالح.
و «ذلك» النجاح في التمحيص بأي درجة من درجاته «فضل اللّه يؤتيه من يشاء» انطلاقا من إرادة نفس الفرد المؤمن لا قسرا عليه ... حتى حين يجد اللّه تعالى في قلبه السلامة و حسن النية و الإخلاص.
كما أن حسب الفرد أن لا يشوب قلبه شك في ذات اللّه عز و جل، فهو يرى في كل أهدافه و أحكامه و الموجودات حوله، عدلا لا يشوبه ظلم، و صدقا لا يشوبه كذب و مصلحة لا يشوبها مفسدة. و على هذا كان سلوكه في عصر التمحيص السابق على ذلك، فكيف لا يكون كذلك بعده.
[١]. ٥/ ٥٤.