تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٥٦ - الناحية الثالثة في الفرق بين يأجوج و مأجوج، و الدجال
... بالرغم من ذلك، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفا و عميقا. و هذا الانقسام هو المعبر عنه بمفهوم (يأجوج) مرة و مفهوم (مأجوج) أخرى.
و هذا الانقسام ليس حديثا، بل هو قديم قدم المادية نفسها. فالمادية البدائية، كانت منقسمة، و كان انقسامها مشوبا بالشعور القبلي. و المادية (التقدمية) منقسمة، و لكن انقسامها ايديولوجي و مصلحي معا.
الجواب الثاني: إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة ... و لذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود. و إنما بدأت إرهاصاته- حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق [١]- بعد بدء الإسلام، و كان وجوده الكامل متأخرا عنه بألف عام.
و أما مفهوم (يأجوج و مأجوج) فهو يمثل الخط المادي بتأريخه الطويل. و لذا كان له وجود بدائي و وجود حديث. و لم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات و الإرهاصات.
و هذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج و مأجوج، هو الدجال نفسه، و ليس شيئا آخر.
الجواب الثالث: إن مفهوم يأجوج و مأجوج، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل. و أما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط، و إنما النظر فيه إلى نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية. فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية، و هم متصفون بنفس أوصافهم و متخذون نفس منهجهم في الحياة ... و كثيرا ما مارسوا الحكم و زرعوا الشبهات، و حاولوا فك المسلمين عن دينهم و إبعادهم عن طريق ربهم.
و يؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال، الدال على أنه مسلم بالأصل، و لكنه أصبح كافرا و منحرفا، يدعو الناس إلى الكفر و الانحراف، و قد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع و التمويه، باستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه و مستغل للمنافع الشخصية و النتائج الباطلة. كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود [٢]، قال: قال رسول اللّه (ص): من سمع الدجال فلينأ عنه، فو اللّه إن الرجل ليأتيه و هو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات.
[١] انظر ص ٦٤٤.
[٢] انظر السنن ج ٢ ص ٤٣١.