تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٠٠ - الجهة الثانية بعض نقاط الضعف في خطبة البيان
بها، لم تقع المعجزة البتة. و سيأتي أن المعجزة ليست سببا منحصرا، باعتبار وجود الأطروحات الطبيعية الأخرى البديلة لتلقي العلم من قبل هؤلاء الحكام.
الوجه الثاني: اننا قلنا في هذا التاريخ، و التاريخ الذي قبله [١]، أن الرئاسة العامة في المجتمع تتوقف على أن يكون الرئيس له من قبل اللّه هذه الصفة الإعجازية، و هي:
أنه متى ما أراد أن يعلم أعلمه اللّه تعالى ذلك. و قد طبقناها على الإمام المهدي نفسه بنجاح، وردت في ذلك عدة روايات.
فقد يقال: إننا نطبقها على أصحاب الإمام أيضا، فإن كلا منهم قد أصبح في منطقته رئيسا، لا بد له من حسن التصرف و تطبيق العدل الكامل في إقليمه. و معه يكون مندرجا تحت هذه القاعدة، و بها لا يعسر عليه حكم و لا قضاء، لأن جميعه سوف يكون بإلهام إلهي مباشر.
و من هنا قد يقال: ان المهدي (ع) إنما يمسح بطونهم و ظهورهم مقدمة لوجود هذا الإلهام فيهم. فإنهم بحسب وضعهم البشري الاعتيادي فاقدين لهذه الصفة، ما لم يقم المهدي (ع) بعمل معين لإعطائها لهم، و هو المسح.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح أساسا لعدة وجوه، نذكر منها اثنان:
الوجه الأول: أن هذه القاعدة خاصة بالرئيس الأعلى الذي ليس فوقه رئيس، و ليس له موجه بشري و لا حاكم أعلى منه، كالإمام المهدي (ع) نفسه فإنه يحتاج إذا أشكلت عليه الأمور إلى الإلهام.
أما لو كان للرئيس رئيس فوقه، يوجهه و يدبر أمره. فإنه لا يحتاج إلى الإلهام، و إنما يمكنه أن يستفيد من توجيهات رئيسه و قائده. و يجب على القائد الأعلى أن يمد ولاته باستمرار بالتوجيه و الإرشاد، حتى لا ينقطعوا عن حسن الرأي و عدالة التصرف، فنفشل قياداتهم. و مع إمكان هذا التوجيه، يكون افتراض وجود الإلهام أمرا مستأنفا.
الوجه الثاني: أن أصل الدليل على ذلك خاص بالقائد العالمي المعصوم و غير شامل لمثل هؤلاء الحكام. و ذلك لوجهين نذكر أحدهما؛ و هو أن وجه الحاجة إلى ذلك كان خاصا بالقيادة العالمية، من حيث ان القدرة على استيعاب الوقائع و الأحكام العادلة التي تقتضيها في كل العالم، أمر خارج عن طوق القدرة البشرية لأي فرد مهما كان عبقريا، و من هنا كان من الضروري إسعاف القائد العالمي بالإلهام من أجل تغطية هذه الحاجة الأساسية.
[١] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٥٠٤ و ما بعدها إلى عدة صفحات.