تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٨٨ - الجهة الرابعة نظام الدولة المهدوية
الدليل الثاني: إننا ننطلق من فكرة الحديث النبوي المتواتر، القائل: إن المهدي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا ... ننطلق منه إلى النتيجة المطلوبة. فإننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى [١] ان البشرية عامة و الأمة الإسلامية خاصة، لا بد أن تمر بظروف صعبة و قاسية من الظلم و الجور و الانحراف ... لكي تتمخض في نهاية المطاف عن عدد من المخلصين الممحصين يكفي للقيام بمسئولية الدولة المهدوية. و نتيجة لتلك الظروف (تمتلئ الأرض ظلما و جورا) و بجهود هؤلاء المخلصين تحت قيادة الإمام المهدي (ع) (تمتلئ الأرض قسطا و عدلا).
و إذا تساءلنا عن أسباب هذه الظروف، تكشفت لنا خلال التاريخ المعاصر و السابق، عن سلسلة متصلة و متواصلة من الأسباب الكبيرة ... التي من أهمها أساليب الحكم الفردي الدكتاتوري التي مورست خلال التاريخ، و وجود الكيان الرأسمالي الأوروبي- الأمريكي و ما تبعه من الاستعمار بشكليه القديم و الحديث. و ما لاقى منه العالم بشكل عام و الأمة الاسلامية بشكل خاص من بلايا و أضرار و كذلك محاولة فرض الحلول المدعاة لمشاكل العالم على الشعوب عن طريق الغزو الفكري للعالم [٢] كما قامت به الشيوعية، و هي تعلن إيمانها بحق تقرير المصير للشعوب، فيبدو موقفها متهافتا غريبا.
و لئن كان الرأي العالم العالمي، قد أحيط علما بحسب التجربة التاريخية القاسية التي عاشوها بالأضرار الناتجة عن الحكم الفردي و الاستعمار الرأسمالي. فإن الأعوام الآتية كفيلة بكشف ما في النظام الشيوعي من هنات و نقاط ضعف و منطلقا من ذلك نستطيع أن نعمم و نقول: إن أي نظام وضعي بشري المولد، موجود قبل الظهور، يمثل في واقعه أهم أسباب الظلم و الانحراف في العالم، إن كان بدوره ناتجا عن ظلم و انحراف سابقين ...
و معه فستكون المهمة الرئيسية للإمام المهدي (ع) الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا، أن يقوم بتغيير هذه الأنظمة و القضاء على جذورها و تفاصيلها.
الدليل الثالث: ان سائر الأنظمة و القوانين الوضعية قائمة على المادية. و اسقاط العنصر الإلهي عن نظر الاعتبار. اما بالصراحة كالشيوعية و الوجودية، أو بالخفاء كالرأسمالية و الفاشية و النازية و القوانين الرومانية و الجرمانية، و متفرعاتها الحديثة، فإنها
[١] انظر ص ٢٤٦ و ما بعدها.
[٢] بل قامت الشيوعية بالغزو العسكري المباشر، كما حدث في تشيكو سلوفاكيا عام ١٩٦٩ و في انغولا هذا العام أعني ١٩٧٦.