تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٧٨ - الناحية الثانية فهم الأخبار ككل
الناحية الثانية: [فهم الأخبار ككل]
في محاولة فهم هذه الأخبار ككل، على تقدير صحتها و كفايتها للاثبات التاريخي. و يكون فهمنا هذا تتمة- بشكل و آخر- للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني.
ان المهدي (ع) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني لمبعوث ضدهم ... من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني.
و لكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، و اما لأجل خوفهم من سطوة السفياني و سلطته.
و حسبنا اننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية، لمدى الرهبة و الخوف الذي زرعه في النفوس. و من هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة و ينكمشون ضد المهدي (ع) ... اعني: بعنوانه المعلن و ان جهلوا حقيقته.
و يعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنصرته. فيقول لخاصته: يا قوم، ان أهل مكة لا يريدونني. و لكني مرسل إليهم لأحتج عليهم، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
و يكون هذا الاحتجاج اتماما للحجة عليهم، و مواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل.
و من هنا يفكر المهدي (ع) بأن يرسل شخصا من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الاحتجاج. فيدعو بعض أصحابه، و هو من الهاشميين و من المخلصين الممحصين، على ما سنعرف الوجه فيه ... و يحمله رسالة شفوية معينة، و يأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن و المقام و قد سمعنا نص الخطبة في الأخبار.
و ينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول: انا رسول فلان إليكم ... لا دليل على أنه يورد اسم المهدي (ع) بحقيقته و يعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود، بل لعله يورد الاسم أو العنوان المعلن اجتماعيا له (ع) في ذلك الحين.
و ما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة، حتى يجتمعون عليه و يقتلونه بين الركن و المقام قرب الكعبة المشرفة في بيت اللّه الحرام. و لعلهم يقطعون رأسه و يرسلونه إلى الشام، إلى السفياني، ليكون لهم الزلفى لديه.