تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٨٠ - الناحية الثالثة في نقد بعض الاعتراضات التي قد تورد على هذا الفهم العام
خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة. و لم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الاجتماعية المعلنة له عادة.
إن اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ، ليس جزافيا، إلا بعد إحراز النجاح في ذلك، أعني التبليغ، و له القابلية الفكرية و الاجتماعية له. إن الجهة الاجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره.
فقد يكون هذا الرجل خطيبا معروفا أو وجيها أو له درجة من المسئولية و السلطة في المجتمع، و من الممكن له أن يجمع الناس و يخطب بهم بواسطة أجهزة التكبير.
و خاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته و الناس لا زالت مجتمعة بعد الحج. فقد وردت روايات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في اليوم العاشر من محرم الحرام، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة، كان موعد خطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس و العشرين من شهر ذي الحجة الحرام. أي بعد انتهاء أعمال الحج بحوالي عشرة أيام.
الاعتراض الثاني: أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته، و يحمل منه الرسالة إلى أهل مكة. مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور.
و الجواب الأولي الواضح لذلك، هو أن الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (ع) نفسه، و هو العالم بالمصالح، و يستطيع أن يكشف حقيقته للفرد، أيا كان، في حدود ما يعرفه من ملابسات و حقائق.
لكننا لو عبرنا عن الاعتراض بتعبير آخر من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق [١] من أن مصلحة الغيبة مقدمة على كل مصلحة، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل، مهما كان صالحا.
و يمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي:
الجواب الأول: أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة، و إن كان صحيحا، إلا أن السر الأساسي فيه هو: أن كشف الغيبة و ارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود. و من ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود.
[١] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٤٩.