تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٥٢ - الجهة الثالثة في السياسة الزراعية التي يتبعها الإمام المهدي
ستصبح خضراء، و إنما ستخضر كل الصحاري في العالم بما فيها الربع الخالي و الصحراء الكبرى في شمال افريقيا و غيرها.
و إذا كان هذا هو شأن الصحاري، فما هو شأن الأراضي التي كانت خصبة منذ عهد ما قبل الظهور، و ما هو مقدار إنتاجها و اسباغ النعمة منها. ان هذا شيء لا يمكن لمفكر بشري سابق على الظهور أن يقدره.
و على أي حال، فما هو العنصر المسبب لهذا الانقلاب الزراعي الشامل؟ نستطيع أن نوعز ذلك- بعد عنصر التساوق بين التشريع و التكوين الذي سنتحدث عنه في جهة قادمة من هذا الفصل- نستطيع أن نوعزه إلى الإخلاص الحقيقي في العمل.
فمن السخف أن يقال: إن البشرية متجهة نحو المجاعة، و ان زيادة النسل يؤدي حتما إلى قلة الأرزاق في العالم. ان ذلك إنما يتحقق، حين يكون الإخلاص ضئيلا و العمل مبعثرا و التشريع ظالما، كما هو الحال في عصر ما قبل الظهور. و أما حين توجد الدولة المخلصة و التشريع العادل و الأيدي العاملة المجدة و العمل المنظم عالميا، فسوف يمكنه أن يحفظ للبشرية أرزاقها مهما تزايدت و تكاثرت، بل يمكنها أن تزيد الانتاج إلى أضعاف مقدار الحاجة، و تضاعف الدخل الفردي لكل البشر بشكل لا مثيل له في ما سبق من تاريخ.
و أما المنهج التفصيلي التشريعي و العملي الذي يتبعه المهدي (ع) في دولته لنيل هذه النتائج الزراعية الرائعة، فالتعرف عليه موكول إلى وعي ما بعد الظهور، و إنما المستطاع التعرف على بعض فقراته من خلال ما بين أيدينا من قواعد و أخبار. و هذا ما سنتوفر عليه في الكتاب القادم من هذه الموسوعة.
إن نفس الأخبار التي سمعناها، تعطينا بعض الحقائق التي تفيدنا بهذا الصدد.
فالإمام المهدي (ع)، سيأمر بحفر نهر خلال الصحراء الواقعة بين كربلاء و النجف، حتى ينزل الماء في النجف، و يعمل على فوهته القناطير، يعني الجسور و الأرحاء- و هو جمع أرحية و هي المطحنة القديمة للحب- و من هنا قال في الرواية: فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر، تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كري، أي بدون أجره.
فإذا علمنا أن ذلك ليس إلا مجرد مثال، ذكر طبقا للفهم القديم، استطعنا أن نتصور مقدار الأنهر و القنوات ممدودة في الصحاري للري، و مقدار التجهيز الآلي الزراعي المباح التصرف فيه للناس مجانا، ليساعد على سرعة الإنتاج و ضخامته، و على سرعة التوزيع و التسويق.