تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٩٤ - الفصل الخامس التخطيط الالهي لما بعد الظهور
و بهذا يتبرهن فلسفيا ما بعد الظهور ...
إلا أن انتاج هذا التخطيط لنتائجه النهائية منوط ببقاء البشرية مدة كافية من الدهر لكي تتربى على عمق العدل و رسوخه، لكي نصل في نهاية المطاف إلى الكمال الإنساني الأعلى. و اما إذا انتهت حياة البشرية جميعها و قامت القيامة خلال زمن قصير ينسد باب الترقي و التكامل بطبيعة الحال.
و من هنا ينفتح احتمالان:
الاحتمال الأول: قصر عمر البشرية بعد الظهور، و تحقق اليوم الموعود.
الاحتمال الثاني: بقاء البشرية لفترة طويلة من الدهر بعد ذلك.
و لكل من الاحتمالين مرجحاته، على ما سنذكر- على حين لم يكن للاحتمال الأول وجود في التخطيط السابق. باعتبار ضرورة انتاجه لليوم الموعود. و ذلك لأكثر من دليل:
الدليل الأول: كونه وعدا إلهيا. و اللّه لا يخلف الميعاد. و ذلك في قوله عز من قائل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ... [١].
الدليل الثاني: كونه غرضا أصليا في خلق البشرية، و من المستحيل أن يزول الشيء من الكون قبل أن يستوفي غرضه. و قد سبق في التاريخ السابق [٢] ان برهنا على كونه غرضا. و سيأتي في الكتاب الآتي تركيزه بشكل أوسع و أعمق.
و هذا هو الذي أشارت إليه الأخبار من الفريقين. فمنها:
ما أخرجه النعماني في الغيبة [٣] بسنده إلى أبي هاشم الجعفري، قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع)، فجرى ذكر السفياني، و ما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم. فقلت لأبي جعفر (ع): هل يبدو للّه في المحتوم. قال: نعم. قلنا له: فنخاف أن يبدو للّه في القائم. فقال: ان القائم من الميعاد، و اللّه لا يخالف الميعاد.
[١] النور: ٢٤/ ٥٥.
[٢] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٢٢٥.
[٣] ص ١٤٢.