تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٧٢ - الجهة الرابعة في كيفية ورودهم إلى مكة
له بكل ما لديهم من نفس و نفيس.
فاذا ظهر قائدهم، كانوا هم أول سامع لخطابه و أول مدافع عنه، و أول مبايع له.
و هم من قبائل مختلفة، و من بلدان شتى، لا تجمعهم جنسية و لا نسب و لا قبيلة.
و انما يكون من كل قبيلة: «الرجل و الرجلان و الثلاثة ... حتى يبلغ تسعة» و هكذا الحق ينطبع على أفراد قلائل على غير تعيين، بحسب ما للفرد من قابليات و ثقافة لا بحسب جنسيته او لغته او نسبه.
و هم يجتمعون في ساعة واحدة، لا باعتبار أن الطريق إلى مكة يستوعب ساعة واحد فقط، بطي الأرض الإعجازي. فان المعجزة لا تستغرق أكثر من دقائق و لا تحتاج الى ساعة.
و انما بمعنى: ان وقت اجتماعهم متوافق في ساعة واحدة يكونون كلهم في المسجد الحرام سوية، ساعة إلقاء المهدي (ع) خطبته. بغض النظر عن كيفية وصولهم تماما.
و اما انهم يفقدون من فرشهم، و يصبحون بمكة ... فهو واضح للغاية بعد وجود وسائط النقل الحديثة السريعة ... ان الإنسان يمكنه ان يدور في ليلة واحدة حول الكرة الأرضية عدة مرات. ليس فقط أن يسافر إلى مكة. بل حتى وسائط النقل الأرضية يمكن ان توفر الوصول في أقل من يوم كامل لمن كان ساكنا في كثير من مناطق الشرق الأوسط، إذا كان السير حثيثا و سريعا.
و انما «يفقدون من فرشهم» فباعتبار خروجهم خلسة عن أهلهم و ذويهم المنحرفين الكارهين للسفر إلى الحق، سواء كان إلى الحج أو إلى المهدي (ع).
و أما السير في السحاب نهارا، فهو السفر بطريق الجو إلى مكة. و هو أيضا بدوره اسلوب معتاد و طبيعي في الوصول إلى مكة.
و لعمري ان هذه الأمور كانت حال صدور هذه الأخبار، و حال تسجيلها في مصادرها الأولى، أمورا على مستوى المعجزات، الا أن العصر الحديث عصر السرعة حقق ذلك و رفع الاستغراب عنه. نعم، بقي الاعجاز في حصول الأخبار عن هذه الأمور و تسجيلها في المصادر قبل حدوثها بمئات السنين. و لم يكن قانون «كلم الناس على قدر عقولهم» ليسمح بالتصريح بهذه الحقائق في ذلك العصر من قواد الإسلام الأوائل، بغير هذا الأسلوب.
و نفس الشيء نستطيع أن نفهمه من (طي الأرض)، فان الانطباع العام عنه و ان كان هو الاعجاز حتى يكاد يكون نصا فيه بحسب الذوق العام ... الا اننا يمكن أن نفهم منه- في كل مورد نسمعه في السنة الشريفة- معنى رمزيا لسرعة الانتقال بالوسائط الحديثة،