تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٣٨ - الجهة الثانية في نتائج التربية الاسلامية في دولة المهدي
و هذه النتيجة بجانبيها العلمي و العاطفي، هي التي تمثل الوعي العالي الذي يوجده المهدي (ع) في دولته و مجتمعه. ذلك الوعي الذي قلنا انه لا يمكن أن يدرك الفرد كنهه إلا المفكر المعاصر لعهد الظهور، و إنما ندركه الآن بعناوينه العامة ليس غير.
و من هنا يتضح أن وضع اليد على رءوس العباد، لا يراد به المعنى الحقيقي، و لا الرحمة و لا الاستيلاء بمعنى الملك و السلطنة. فإن كل ذلك بمجرده لا ينتج تكامل الأحلام و لا اجتماع العقول، كما هو واضح. و إنما الذي ينتج ذلك هو التربية و الإعلاء للعقول و الأفكار و العواطف.
و المراد بالقرآن كما أنزل، ذلك الذي يعلّمه أصحاب المهدي (ع) للناس، كما نطق به الخبر ... المراد به المعاني الواقعية للقرآن، بعد وضوح عدم اختلاف القرآن عن عهد رسول اللّه (ص) لفظيا.
و من الطبيعي أن يعرض القرآن يومئذ كما أنزل، لما سمعناه في الأخبار العديدة:
بأن المهدي يأتي بالإسلام جديدا، كما جاء به رسول اللّه (ص). فكانت وظيفة النبي (ص) هو التنزيل، و وظيفة المهدي (ع) هي التأويل أي التطبيق. و إن من أهم فقرات التطبيق و خططه: تفهيم الناس المقاصد الواقعية للقرآن الكريم، و تثقيفهم الثقافة العالية عن هذا الطريق ... عن طريق الإمام المهدي (ع) و عن طريق أصحابه ثانيا.
و المثاني التي هي بيد أصحاب المهدي (ع)- كما نطق الخبر- هي الواردة في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ». و قد فسّرت في اللغة بآيات القرآن الكريم، و هو لا يكاد يكون صحيحا، فإن الآيات لا تنحصر بسبعة، إلا ان يراد بها سورة الحمد خاصة، و هو تفسير وردت به بعض الأخبار إلا أنها لم تثبت، و هو- أيضا- خلاف ظاهر الآية الكريمة.
و الأوفق بالقواعد اللغوية و الإسلامية معا، هو هذا الاحتمال الذي نعرضه كأطروحة محتملة في تفسيرها. فإن المثاني في اللغة هو ما بعد الأول من الأشياء. و معه يكون الأول هو القرآن العظيم الذي عطفته الآية على المثاني. و تكون المثاني مستويات سبعة متأخرة في الرتبة عن القرآن الكريم من قواعد الإسلام العامة. و الأنسب عندئذ، هو أن يكون كل واحد من هذه الأمور السبعة يلي القرآن مباشرة في الأهمية، بحيث يعتبر كل واحد منها ثاني القرآن، ليكون الجمع بالمثاني أوضح و أقرب.
و أما إن هذه القواعد بالتعيين ما هي، فيمكننا أن نعرف قليلا منها: كالسنة و العقل