تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٠٥ - الجهة الثانية بعض نقاط الضعف في خطبة البيان
إرسال شخص حاكما على منطقة في العالم، قوله: عهدك في كفك. فإذا ورد عليك ما لا تفهمه و لا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك و اعمل بما فيها.
و هذا يعني أنه (ع) يكتب لكل شخص يرسله «عهدا» [١] يحتوي على «التخطيط» الذي يجب عليه أن يسير عليه في فترة حكمه. تماما كما فعل جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، حين أرسل مالكا الأشتر واليا على مصر، و كتب له العهد المطول المشهور الموجود في نهج البلاغة.
و لكن يبدو أن هذا العهد ليس على شكل القواعد العامة، كما كان عليه عهد مالك الأشتر. بل يفترض أنهم قادرون على تطبيق القواعد العامة، مأخوذة من الفقه العادل في ثوبه الجديد. و إنما يعطي هذا العهد لموارد الضرورة حين يقع الحاكم في صعوبة من حيث تطبيق القواعد العامة على بعض المشاكل العالمية. و لذا نجده يقول: «فإذا ورد عليك ما لا تفهمه و لا تعرف القضاء فيه- يعني طبقا للقواعد العامة- فانظر إلى كفك- يعني إلى العهد الذي تحمله فيها- و اعمل بما فيها».
و يقترن هذا المستوى الفكري المعمق بمستوى نفسي معمق يكون الفرد الحاكم محتاجا إليه، حين يذهب إلى منطقته لأول مرة، و تكون الدولة مؤسسه لأول مرة. انه يتحمل مسئوليات ضخمة، قد يعجز عن مجرد تصورها، فكيف و هو سيوضع في وسط معمعتها. و هو مؤهل في تربيته السابقة التي عرفنا جذورها و فروعها مفصلا، من الناحيتين الإيمانية و الفكرية. إلا أنه تحتاج إلى جانب ثالث هو الجانب النفسي ليكون «أجرا من ليث و أمضى من سنان» و ليواجه العالم بمعنويات عالية و قوة بالغة مناسبة مع المستوى المطلوب للدولة العالمية المهدوية.
و من هنا نجد المهدي (ع)- كما في الروايات- يمسح على بطونهم و ظهورهم فلا يشكل عليهم حكم و لا يتعايون في قضاء. فإن الفكرة و حل المشكلة قد يعتاص على الإنسان مع وجود الارتباك و التردد في نفسه فيصبح في حالة شرود و انحطاط. و أما مع ارتفاع المعنويات و قوة الإرادة، فلا معنى لحصول ذلك. و أدنى ما يعمله المهدي (ع) في هذا الصدد هو أن يعانقهم هذه المعانقة عند الوداع. و لعله يتخذ خطوات أخرى بهذا
[١] قالت اللغة: العهد هو الذي يكتبه ولي الأمر للولاة إيذانا بتوليتهم. مع الأمر بلزوم الشريعة و إقامة النصفة.
انظر: اقرب الموارد.