تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٢ - الجهة الثانية في فهم مفردات هذه الأخبار
فدفع إلى المستعدى عليه. قال: فعجب الناس و تحدثوا، حتى بلغ داود (ع) و دخل عليه من ذلك ما كره. فدعا ربه أن يرفع ذلك ففعل. ثم أوحى اللّه إليه أن احكم بينهم بالبينات، و اضفهم إلى اسمي يحلفون به.
و إنما نقلنا هذا الحديث المرسل، لوجود فارق بينه و بين الآية. فإن الحادثة التي يعرب عنها الخبر- لو صح- حادثة واقعية يمكن أن يعلم بها القاضي عن طريق الوحي أو عن طريق معاشرة الخصمين و نحوه. و أما الحادثة التي تعرب عنها الآية، فالمشهور عنها أنها حادثة امتحانية، أوجدها اللّه تعالى من أجل امتحان النبي داود (ع) و اختباره و قد فشل في هذا الامتحان، و هو قوله تعالى: «وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ».
فالخصمان لم يكونا خصمين حقيقة، و إنما كانا ملكين أرسلهما اللّه تعالى لاختبار داود (ع). و استدلوا على ذلك: بقوله تعالى: «إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ» فإن البشر لا يتسورون الحائط على القاضي الذي يريدون التحاكم عنده. و لا يردون عليه في وقت عبادته، بل في وقت استعداده للحكم.
و كان من واجب النبي داود (ع) طبقا للقواعد القضائية العامة أن يسأل من المدعي، و هو صاحب النعجات التسع و التسعين، أن يأتي بالبينة الدالة على أن تلك النعجة الواحدة له. و لكنه أسرع بقبول قول المنكر بدون مطالبة البينة، و صار إلى جانبه، بدون دليل. و لكنه فكر بعد ذلك و علم بخطئه، فاستغفر اللّه و خر راكعا و أناب، فعفا اللّه عنه و أكرم مقامه.
غير أن الصحيح هو أن الآية لا تدل على أن الحادثة مصطنعة و غير واقعية، بل تدل على واقعية الحادثة، بعدة قرائن في الآية نفسها:
القرينة الأولى: قوله تعالى: الخصمين. فإن ظاهره كونهما خصمين حقيقة، و حمله على الخصمين المصطنعين خلاف الظاهر، لأنه مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة.
القرينة الثانية: قوله: ان هذا أخي. و هو ظاهر بالأخوة الحقيقية. و من المعلوم أنهما لو كانا ملكين لم يكن صدق ذلك ممكنا.
القرينة الثالثة: قوله: له تسع و تسعون نعجة ولي نعجة واحدة. فإن ظاهره الملكية الحقيقية لنعجات حقيقية. و ما خالف ذلك محتاج إلى تأويل.
القرينة الرابعة: قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. فإنه لا يكون ظالما على الإطلاق لو كانت المرافعة صورية، و لكانت هذه الجملة كاذبة.