تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٤٧ - الجهة السادسة البيعة بعد الخطاب
نعم، لو انتهى أمد الأمر، و أراد فرد من غير المبايعين ان يعلن ولاءه من جديد ...
كفى له (فقهيا) مجرد الإعراب عن عقيدته، و لم تكن هناك ضرورة لاتخاذ اسلوب البيعة. و هذا كله صادق بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) عند ظهوره.
النقطة الثانية: إن الذين يبايعون المهدي (ع) في موقفه بين الركن و المقام، يتكونون من عدة أقسام:
القسم الأول: جبرائيل الأمين (ع)، و هو من أهم الملائكة، و أحد أربعة من أعاظمهم، طبقا للفهم الإسلامي.
و بيعته للإمام المهدي (ع)، يمكن أن تحمل على أحد معنيين:
المعنى الأول: المعنى الرمزي، الراجع في الوقع، إلى مرتبة عليا من التأييد الإلهي للمهدي (ع) و مباركة حركته العالمية و دعوته. و إنما ذكر جبرائيل بالخصوص باعتباره الممثل للحق من زاوية عليا كاملة، و قد كان هو رسول الحكمة و حامل الوحي بين اللّه عز و جل و رسوله الكريم (ص).
إلا أن هذا المعنى لا يكون صحيحا، بصفته رمزيا، الا بعد اليأس من المعنى (الصريح) المباشر. و هذا ما سنبحثه في المعنى الثاني.
المعنى الثاني: البيعة بالمعنى المباشر الذي يقوم به سائر الناس. يقوم بها جبرائيل بعد أن يتخذ شكل رجل، توصلا إلى فائدتين كبيرتين:
الفائدة الأولى: إلفات نظر الناس إلى لزوم مبايعة المهدي (ع) في موقفه ذلك بين الركن و المقام. فإن الناس غافلون- على الأقل- عن ذلك، و يحتاجون إلى المنبه بطبيعة الحال، و ستكون مبايعة جبرئيل (ع) منبها لبعض الناس من الخاصة، فإذا بايعوا كانت مبايعتهم منبهة لسائر الناس الموجودين في المسجد الحرام ساعتئذ.
الفائدة الثانية: دعم و تأييد حركة المهدي (ع) من أول حدوثها. إذ من الضروري أن مبايعة جبرئيل لا تكون إلا لأجل تلقيه الأمر الإلهي بذلك، و اذا كان اللّه تعالى موجبا على جبرائيل (ع) مبايعة المهدي (ع) فذلك من أعظم الدعم و التأييد.
غير أن هذا التأييد لا يمكن انعكاسه اجتماعيا ما لم يكن جبرائيل، و هو على شكل رجل، معروف الهوية لدى الموجودين حال مبايعته. و هذا- بحسب فهمنا المعاصر- مما يصعب توفره في ذلك الموقف. و إنما يمكن إعلانه تدريجا طبقا لاتساع حركة المهدي (ع) و سلطته. و هذا كاف لدعم الحركة بمقدار احتياجها التدريجي.