تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٥٩ - الجهة الثانية في نقد هذه الأخبار
إن أكثر هذه الأخبار يمكن إسقاطها عن الاستدلال تماما، لأن كل خبر يواجه بحياله بعض المناقشات، فلا يبقى منها إلا القليل.
أما الخبر الذي أخرجه مسلم في صحيحه، فهو يصف أولا فسق الناس و إطاعتهم للشيطان، و تحولهم إلى عابدي أوثان. و هذا كله- بمعنى و آخر- مما يقع قبل الظهور.
و يقول بعدها: ثم ينفخ في الصور. و النفخ فيه كناية عن نهاية البشرية. إلا أن وجود هذه النهاية في ذلك الجو الفاسق مما لا يدل عليه الخبر، لأن حرف العطف (ثم) دليل على التراخي و الانفصال كما نص النحاة و اللغويون. فإن لم يكن الخبر دليلا على بقاء البشرية بعد ذلك المجتمع الفاسق. فلا أقل من كونه ليس دليلا على انتهائها به.
و أما خبر أبي داود، فهو غير دال بالمرة على المضمون المشار إليه. فهو دال على أن الناس يؤمنون كلهم حين تطلع الشمس من مغربها. و لا يقول شيئا غير ذلك. و قد قلنا في التاريخ السابق [١] أن المراد من الشمس التي تطلع من مغربها: المهدي (ع) حيث يطلع بعد غيبة، و لا تقبل عندئذ من الفاسق توبة.
و كذلك الخبر الثاني الذي نقلناه عن الحاكم، فإن فيه قوله: و لا مهدي إلا عيسى بن مريم، و قد نقده و رفضه أهل الحديث العامة و الخاصة، كما سبق، و لا حاجة إلى تكراره. مضافا إلى إشكالات أخرى مشتركة ستأتي.
و كذلك الخبر الذي نقلناه عن معالم الزلفى فإنه خبر مرسل و ضعيف. و يحتوي من خلاله على مضامين مدسوسة و غير صحيحة، كما يبدو لمن راجعه في مصدره.
لا يبقى عندنا- بعد هذا- إلا خبران، أحدهما: الخبر الأول الذي نقلناه عن الحاكم و الخبر الذي أخرجه الشيخ في الغيبة.
على أن خبر الشيخ أيضا لا يخلو من مناقشة فإنه ليس رواية عن معصوم و إنما يعبر فيه عبد اللّه بن جعفر الحميري عن اعتقاده، و ليس بالضرورة ان كل ما يعتقده له الإثبات التاريخي الكافي، و إن كان هو شخصيا من العلماء الصالحين، كما ثبت من تاريخه.
و على أي حال، فالخبران يواجهان إشكالا مشتركا، هو أن مثل هذه القضية و هي:
ان الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، من الأمور الاعتقادية في الدين. و من الواضح عند العلماء أن الأمور الاعتقادية لا تثبت بخبر الواحد و إن كان صحيحا سندا و واضحا
[١] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٥٩٦.