تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٣ - الجهة الثانية في فهم مفردات هذه الأخبار
و أما ما ذكروه من أن العبور على الحائط ليس من أفعال البشر، فهو غير صحيح، فإنه أقرب إلى فعل البشر الدنيء منه إلى فعل الملائكة.
و أما كون الحادثة لامتحانه و فتنته، كما دلت عليه الآية فعلا، فهذا لا يقتضي إرسال الملائكة إليه، بل يكون حاصلا مع وجود هذا الترافع نفسه بين بشرين. بدليل على أنهما لو كانا رجلين حقيقيين لما كان في مستوى الامتحان الإلهي أي تغيير.
بل ليس في الآية الكريمة أن داود (ع) كان يعلم بحقيقة الموقف، بطريق الغيب، و لا انه مال الى جانب المدعي لمجرد سماع المرافعة. بل لعله كان يعرفهما عن قريب أو مطلع على حالهما بشكل و آخر.
و إذا كان المفروض لداود في هذه الحادثة و غيرها أن يحكم بعلمه، كما سيحكم الإمام المهدي (ع) أحيانا. إذا فحكمه صحيح لا غبار عليه، و جائز للقاضي أحيانا، إذا كان نبيا أو وليا على الأقل.
و من هذه الزاوية نعرف دليلا آخر على واقعية هذه المرافعة، لأنها لو كانت صورية لم يكن لوجود العلم بالواقع أي معنى. بل كان الأنسب أن يعلم داود (ع) أنها مرافعة صورية، أو أن يعلم أن الأفضل السير على طبق القاعدة القضائية العامة. و حيث حكم في الواقعة بعلمه، إذا، فهي حادثة واقعية.
و أما توبته و استغفاره، فهو ناشئ من أحد منشأين:
المنشأ الأول: ما هو الموجود في بعض الأخبار، من أن مؤدى هذه المرافعة، كان مماثلا لأمر كان يعيشه في حياته، و هو أنه (ع) بالرغم من كثرة زوجاته، طلب من أحد أصحابه أن يطلق زوجته لكي يتزوجها هو. فأراد اللّه تعالى أن ينبهه على ذلك، فقيّض له هذه المرافعة.
إذا، فاستغفاره لم يكن لأجل التسرع في القضاء، و إنما كان من أجل موقفه الحياتي الخاص.
المنشأ الثاني: أن كلا الأسلوبين القضائيين: أعني طلب البينة، و الحكم طبقا للعلم ... كانا جائزين له. فكان (ع) حين يرى اختلاف هذين الأسلوبين في النتيجة أحيانا فإنه يرجح الحكم بعلمه لأنه أوصل إلى الواقع من الطريق الآخر. كما في هذا المورد بالذات.