تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٥ - الجهة الثانية في فهم مفردات هذه الأخبار
القسم الأول: و هم الأكثرية الكاثرة، الذين أسقطوا هذا الأمر عن نظر الاعتبار، و شربوا من النهر بكثرة و سقوا دوابهم. فكان أن عزلهم القائد عن الجيش و منعهم من المسير معه، و خرجوا بذلك عن الإيمان، قال اللّه تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ و هم غير هذا القسم.
القسم الثاني: و هم الذين أخذوا بالاستثناء في كلام القائد، فشربوا بالمقدار الذي أجازه، و اكتفوا بالكف الواحدة عن الكثير.
و قد دل سياق القرآن الكريم على أن هؤلاء هم الذين قالوا عند مواجهة العدو:
«قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ». باعتبارهم القسم الأضعف إيمانا من الجماعة التي صاحبت القائد من حادثة النهر.
القسم الثالث: و هم الذين لم يشربوا على الإطلاق، أخذا بالحيطة لدينهم و تقوية لعزائمهم و إرادتهم. و من هنا لم ترهبهم كثرة العدو. بل «قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ».
فالقسم الأول هو الفاشل في هذا التمحيص، و القسم الثالث هو الناجح بشكل كامل، و القسم الثاني كان ناجحا في حادثة النهر، و لكن برزت نقطة ضعفه في آخر لحظة عند مواجهة العدو، ففشل في هذا الامتحان الجديد.
و قد يخطر على البال: أن تطبيق هذا الامتحان على أصحاب الإمام المهدي (ع) إنما هو باعتبار التمحيص الموجود في التخطيط العام السابق على الظهور، حيث عرفنا انقسام المخلصين باعتباره إلى عدة أقسام، يكون الخاصة منهم كالقسم الثالث من أصحاب طالوت، و هم الذين حاربوا و انتصروا عليه. و في بعض الروايات التي سمعنا إحداها فيما سبق أن عددهم كان- أيضا- ثلاثمائة و ثلاثة عشر.
فليس هذا الخبر ناظرا إلى التمحيص الذي يمر به أصحاب الإمام (ع) بعد ظهوره، فلا يكون من الأخبار النافعة لنا في هذا الباب.
و جواب ذلك: أن هذا محتمل فعلا، إلا أن ظاهر الخبر بخلافه، حيث يقول:
و ان أصحاب القائم (ع) يبتلون بمثل ذلك. فإنهم لا يكونون أصحابه حقيقة إلا بعد ظهوره و انضمامهم إليه، كما هو واضح.
قوله: (شبه عبدة الشمس و القمر) و هم الملحدون و الماديون، يدخلون في (هذا الأمر) يعني الحق و العدل الذي يعلنه الإمام المهدي (ع) و يوضحه للعالم بكل صراحة.