تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٩٨ - الجهة الثانية بعض نقاط الضعف في خطبة البيان
غيبته بلا سبب، فتكون ظلما للبشر، لأنه يعني بقاؤهم ضمن المشاكل و الظلم مع إمكان دفعه عنهم بكل سهولة.
و مع تنزيه اللّه تعالى شأنه عن كل أشكال الظلم، يتعين القول بعدم صحة المضمون الظاهر لهذه الرواية، في حدود فهمنا العام المعاصر.
و معه، فلا بد من حملها على بعض أشكال الرمز، و أن المراد التنبيه على أن المخلصين المتوفرين للمهدي (ع) ليسوا بأقل رتبة في الإيمان و الإخلاص و العلم و العمل ممن عددتهم الرواية. و هذا أمر صحيح كما عرفنا.
السؤال الثالث: إن المخلصين الممحصين من الدرجة الأولى، فضلا عن الدرجات المتأخرة، لم يفرض فيهم أنهم مارسوا إدارة في الدولة أو قضاء في منطقة خلال عصر ما قبل الظهور، كما لم يفرض فيهم أنهم درسوا هذه الأمور من الناحية النظرية، بحيث يستطيعون تطبيقها في أي وقت شاءوا.
بل قد يكون الأمر بالعكس، كما يظهر من بعض الحقائق التي عرفناها، فإن التمحيص ينتج اكتساب درجة عليا من الإيمان و قوة الإرادة نتيجة لردود الفعل الصحيحة تجاه ظروف الظلم و الطغيان، و لا ينتج التمحيص القدرة على القضاء، و المران على أساليب الحكم.
إذا، فمن زاوية كونهم ممحصين، لا يعني كونهم قادرين على مثل ذلك.
مضافا إلى أن ما عرفناه في التاريخ السابق [١] من لزوم التزامهم بالتقية خلال عصر التمحيص السابق على الظهور، بالمعنى الذي فسرناه هناك [٢] قد يلزم منه البعد عن مباشرة أساليب الحكم و القضاء و الانكماش عن الدولة الظالمة ككل. فإنه لو شارك فيها كان فاشلا في التمحيص الإلهي، و بالتالي لم يكن من المخلصين الذين لهم شرف الالتحاق بالإمام المهدي (ع) بعد ظهوره.
ينتج من ذلك ان المخلصين، بأي درجاتهم لم يمارسوا حكما و لا قضاء في عهد ما قبل الظهور، فكيف يستطيعون ممارسته في العالم تحت القيادة المهدوية، و خاصة و ان المطلوب ليس هو القيادة الاعتيادية، بل القيادة العادلة المعمقة، ذات التربية المركزة و المستمرة لكل البشرية. فكيف يتم لهم ذلك؟! ...
و الجواب على ذلك: أن هناك دليلا عاما يوجب الالتزام بكون أصحاب الإمام
[١] انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص ٤١٦.
[٢] المصدر ص ٤١٧ و ما بعدها.