تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٩ - الجهة الثالثة في محاولة فهم عام لهذه الأخبار
معينة عن سيرة الإمام و قضائه، و خاصة و هو لم يفهم وضوح معنى الحديث القائل: أن المهدي (ع) يأتي بكتاب جديد و قضاء جديد و أمر جديد.
فمثلا: يجد هذا الفرد المتدين أنه من الواضح جدا في الإسلام أن يحكم القاضي طبقا لقانون البينة و اليمين. فسوف يمنى بالصدمة العقائدية الشديدة، حين يرى إمامه و قائده يخالف قواعد القضاء، و يخالف- باعتقاده- واضحات الشريعة الإسلامية.
و حيث لا يعرف هذا الفرد وجوه التصحيح، فسوف يحتج انتصارا لاعتقاده. بل قد يؤول موقفه إلى الشك بصدق المهدي (ع)، إذ لو كان هو المهدي المنتظر لكان مطبقا للشريعة، في حدود ضرورياتها الواضحة، على الأقل!!! ...
إنه من المحتمل أن يكون مثل هذا الفرد، قد اعتقد بصدق المهدي (ع) مدة من الزمن، و قاتل بين يديه و تحت قيادته قتال الأبطال، و شارك بشرف فتح العالم بالعدل. غير أنه يجد الآن- بعد سماعه قضاء المهدي (ع)- انه كان متوهما، و أن أفعاله راحت هدرا، أنه لم يكن في حسبانه أن هذا الإمام سيترك العمل بواضحات الشريعة!! ...
و هكذا يبوء هذا الفرد بالفشل في هذا الامتحان الجديد، فيصبح منحرفا كان يجب عليه التسليم لإمامه في كل ما يفعل، لأن واضحات الشريعة إنما تؤخذ منه لا أنها تفرض عليه. فاستنكار ذلك يعد انحرافا، و لا بقاء للمنحرف في دولة العدل، و من هنا يأمر المهدي (ع) بقتل كل من يحتج على قضائه. و بذلك يذهب جماعة ممن ضرب قدام المهدي (ع) بالسيف.
الحقل الثالث: يمكننا أن نلاحظ في هذه الأقضية عدة أمور:
الأمر الأول: أن الاحتجاج عليها خاص بالفقهاء العارفين بالشريعة، و من يقرب من مستواهم. و أما عوام الناس فلا معرفة له بصحة ذلك أو فساده. و من هنا يكون في المحتجين من كان قد اعتقد بالمهدي (ع) و شارك في الفتح العالمي ممن له ثقافة إسلامية واسعة.
الأمر الثاني: أن الرواية لا تدل على انحصار الاحتجاج بأصحاب الإمام المهدي (ع) و إنما تدل على وجود الاحتجاج في أصحابه في الجملة، بشكل يناسب أن يكون معهم غيرهم.
الأمر الثالث: أن الرواية لا تدل على كثرة المحتجين بشكل زائد في كل واقعة، بل لعله عدد قليل.