تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٠٦ - الجهة الثانية في أسلوب معرفة الامام المهدي
ان يكون العمق الفكري في الأمة لتكون قابلة لفهم القوانين المهدوية الجديدة ... و كم ينبغي أن يتطرف انحراف المنحرفين و كفر الكافرين ... و كم نسبة من البشر ينبغي أن يكون يائسا من الحلول المعروضة في عصر التمحيص و الانحراف، كل ذلك من زاوية التشخيص النظري.
المستوى الثاني: التشخيص العملي بأن هذه الأمور التي ينبغي أن تقع، و التي استهدف التخطيط العام إيجادها جميعا ... هل وجدت ليكون الوعد ناجزا، أو لم توجد بعد. و ما ذكرناه من طريق تعرف الإمام المهدي (ع) بالنتائج كان هذا المستوى هو المنظور فيه.
و أما طريقة علمه (ع) بالمستوى الأول، فمن الواضح تكفل الأسلوب العام (الإعجازي) لعلم الإمام بتغطيته بوضوح. و أما لو تجاوزنا عنه فينبغي أن يكون علمه به ناتجا عن خبرتين مزدوجتين:
الخبرة الأولى: ما يحصله (ع) من الاطلاع على حوادث الأجيال و قوانين التاريخ، في خلال معاصرته الطويلة للبشرية، كما سبق أن ذكرنا في التاريخ السابق [١].
الخبرة الثانية: معرفته بالمستوى المطلوب الذي سيكون عليه اليوم الموعود، أو- بتعبير آخر- ما سيعلنه هو في دولته العالمية من مفاهيم و قوانين و ما سيقوم به من أعمال.
و هو علم مفروض الوجود عنده (ع)، و لا أقل من زاوية قواعده العامة و أساليبه الكلية.
و مع اجتماع هاتين الخبرتين، يستطيع أن يتعرف على المستوى الأول بكل وضوح، خذ مثلا: ان كل مثقف الى الدرجة الكافية، يستطيع أن يشخص المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الفرد ثقافيا ليفهم كتاب (روح القوانين) لمونتوسكيو، أو أن ينظم قصيدة جميلة بمناسبة زواج مثلا،. كما انه يستطيع أن يشخص مقدار قوة الإرادة و العزم الذي يكفي لارتداع الفرد عن الرشوة ... و هكذا.
و على أي حال، فقد صحت الأطروحة الثالثة القائلة بأن في امكان الإمام المهدي (ع) أن يطلع على اجتماع شرائط الظهور بنفسه، و لا حاجة له- بعد ذلك إلى المعجزة المنبهة له إلى ذلك، كالأسلوب الأول من الأطروحة الثانية، بل تكون عندئذ مخالفة لقانون المعجزات.
[١] ص ٥١٢ و ما بعدها.