تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٠٤ - الجهة الثانية في أسلوب معرفة الامام المهدي
إذا لا حظنا كل ذلك ينتج لدينا كون الإمام المهدي (ع) شخصا طويل العمر معاصرا لمئات الأجيال البشرية مذخورا لإقامة العدل الكامل في العالم كله، متصلا بالناس خلال عصر غيبته بدون أن يعرفوه مواكبا لأخبارهم و ورائهم عارفا بآلامهم و آمالهم.
و إذا فهمنا المهدي (ع) بهذا الشكل استطعنا أن نستوعب بكل سهولة و وضوح علمه بكل هذه الأمور، بشكل طبيعي لا أثر للاعجاز فيه. فاننا لا ينبغي أن ننزل في التصور عن الشخص العبقري و المفكر الالمعي، فإن الفرد العبقري قد يطلع على عدد من جوانب تلك الخصائص، و ان تعذرت إحاطته الكاملة بها، بطبيعة الحال ... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب الصفات الكبيرة و المميزات الجليلة ... و بخاصة إذا كان للإمام (ع) اهتمام خاص بتتبع هذه الخصائص و مواكبة وجودها التدريجي. حتى تصل إلى درجة الكمال. و هذا الاهتمام موجود بكل تأكيد، باعتبار حرص الإمام المهدي (ع) بمعرفة موعد ظهوره أكثر من أي شخص آخر.
ليس هذا فقط أعني ان المهدي (ع) لا يكتفي فقط بمجرد العلم بالحوادث و الاطلاع على التفاصيل، بل هو مكلف- في بعض الحدود التي عرفناها في التاريخ السابق [١]- بالمشاركة بالبناء الاجتماعي الخيّر و دفع البوائق و الكوارث عن الأمة الإسلامية. و معه فلا يكون فقط عالما بتحقيق تلك الخصائص كفرد عبقري، بل هو مشارك في وجودها مواكب لأخبارها مواكبة داخلية، لو صح التعبير، و هو أفضل أشكال العلم (الطبيعي)، و أكثرها تفصيلا و دقة.
و هذا هو الذي يفسر لنا علمه (ع) بكل الأمور الستة، كما هو غير خفي على القارئ الذكي ... مع وجود بعض المميزات في عدد من النقاط، نشير إليها فيما يلي:
أولا: بالنسبة إلى الأمر الأول، يعتبر وجود القائد أمرا وجدانيا للمهدي (ع) باعتباره برى نفسه هو ذلك القائد بطبيعة الحال، و يعرف ذلك بالضرورة.
ثانيا: بالنسبة إلى الأمر الثاني: يتم تلقي أساس الشريعة و قواعدها العامة، بنحو الرواية عن آبائه عن النبي (ص) ... و إن كان (ع) يطلع على عدد من التطبيقات عن طريق العلم (الطبيعي) الذي أشرنا إليه.
[١] انظر ص ٥٣.