تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦١٠ - الجهة الخامسة في بعض خصائص أهل الكتاب و عقيدتهم يومئذ
الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل.
الأطروحة الثانية: أن يراد من تطبيق هذه الكتب، تطبيق أحكامها جملة و تفصيلا. و خاصة تلك الكتب التي يخرجها المهدي (ع) و يثبت أنها هي التوراة و الإنجيل الواقعية.
إلا أن هذه الأطروحة غير محتملة، لأن في هذه الكتب ناسخ و منسوخ و كلها منسوخة بشريعة الاسلام. فالتوراة ناسخة للشرائع السابقة عليها، و الإنجيل ناسخ لأحكام التوراة و القرآن ناسخ لأحكام الإنجيل. و معنى كونه منسوخا أنه لا يجب العمل عليه في حكم اللّه عز و جل، بل يجب العمل فقط على الشريعة الأخيرة الناسخة لكل الشرائع السابقة و التي ليس بعدها ناسخ لها، و هي الإسلام. و معه لا معنى للعمل بالأحكام التفصيلية للشرائع السابقة.
و هذا النسخ لا يختلف فيه الحال بين المسلمين و بين اليهود و النصارى، فليس من الصحيح أن أحكام التوراة مثلا منسوخة بالنسبة إلى المسلمين، و لكنها سارية المفعول على اليهود لأن الشرائع المتأخرة عن التوراة إن لم تكن صحيحة كانت أحكام التوراة شاملة لك البشر، و إن كانت صحيحة، كانت تلك الأحكام منسحبة عن كل البشر، و لا معنى للتفريق.
على أن بعض هذه الكتب لا يحتوي على أحكام بالمرة أو يحتوي على شيء قليل، لا يكفي لتطبيق العدل، كالزبور و الإنجيل نفسه.
الأطروحة الثالثة: تطبيق هذه الكتب، من زاوية عدد من الأحكام المهمة التي أعربت عنها، و ليس المراد تطبيقها جملة و تفصيلا.
فإن هناك من الأحكام ما كان ناشئا من فهم معين للعدل و القانون بشكل عام، حتى أصبح عدد من واضحاتها ضروري التطبيق في المجتمعات البشرية كلها على خط وجودها الطويل، منذ أن استطاعت تطبيق الشرائع.
و حيث يكون فهم العدل و القانون في الشرائع السماوية عموما واحد، أعني الشرائع بشكلها الواقعي، فإنها صادرة من مصدر واحد حكيم لا نهائي في علمه و قدرته كانت الأحكام الأساسية مشتركة ما بين الشرائع، لا تختلف إلا في حدود اختلاف الحاجات التربوية التي تمر بها المجتمعات.
و إذ يكون هذا الفهم العام موجودا أيضا في دولة العدل العالمية، لكن بشكل معمق