تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٠٩ - الجهة الخامسة في بعض خصائص أهل الكتاب و عقيدتهم يومئذ
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [١].
و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه، و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون. و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل اللّه و لا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق.
و قال تعالى:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ... الآية [٢].
حيث دلت هذه النصوص على أنه عند الحكم العادل، ينبغي أن تنزل كل الكتب السماوية إلى حيز التطبيق، كل منها على من يؤمن بها. و قد وصف من يعصي حكم التوراة بالكافرين تارة و بالظالمين أخرى. و وصف من يعصي حكم الإنجيل بالفاسقين.
كل ما في الأمر أن الزمام الأعلى يكون للحكم الإسلامي الذي أنزله اللّه تعالى في القرآن، مهيمنا على الملل السابقة.
و إنما تمنى أمير المؤمنين (ع) إنجاز ذلك، و إنما يقوم المهدي (ع) به، تطبيقا لهذا التأكيد القرآني الذي سمعناه.
و يمكن فهم هذا التأكيد على أساس عدة أطروحات محتملة:
الأطروحة الأولى: أن يراد من تطبيق هذه الكتب تطبيق ما أمرت به من الدخول في الإسلام و بشرت به من وجود نبي الإسلام. و سيكون هذا واضحا في النسخ التي سوف يجيء بها المهدي (ع) من هذه الكتب.
و هذا هو الفهم التقليدي لهذه الآيات القرآنية، و هو فهم محترم لو لا أنه يخالف ظاهر بعض الآيات. فإن قوله تعالى وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. إلى أن يقول: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ظاهر بأن المطلوب هو تطبيق هذه الأحكام نفسها التي عددتها الآية الكريمة. و قوله: «و لو أنهم أقاموا التوراة و الإنجيل ... لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم» ظاهر بأن الرفاه الاجتماعي ناتج عن إقامة الأحكام التفصيلية للكتب أنفسها. و قصرها على مجرد تبشيرها بالإسلام، خلاف
[١]. ٥/ ٤٤- ٤٨.
[٢]. ٥/ ٦٦.