تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٢٦ - الجهة الثالثة في محاولة فهم عام لهذه الأخبار
ظهوره لخاصة أصحابه الذين يبايعونه في المسجد الحرام و يرافقونه إلى العراق. و هؤلاء هم الذين يفترض بهم أن يكفروا به بعد هذا الزمن المتطاول و الجهاد المتواصل ... بعد أن أضحت الحجة على صدق المهدي (ع) معلنة على البشر أجمعين، و واضحة لكل فرد وضوح الشمس. و قد شارك هؤلاء أنفسهم في إعلانها و ترسيخها في المجتمع، على أوسع نطاق.
و إن أهم حجة على الإطلاق يمكن للمهدي (ع) أن يقيمها هو فتحه للعالم كله و تطبيق العدل فيه. فإننا لا نعني بالمهدي إلا الشخص الذي يعمل هذا العمل و يؤسس هذه النتيجة الكبرى، بإجماع علماء الإسلام، بل بإجماع أهل الأديان.
و إن أي تشكيك يمكن أن يرجف به المرجفون في المعجزات الوقتية التي يقيمها المهدي (ع) كحجة على صدقه، كالذي قيل ضد بني الإسلام (ص) بأنه كاهن أو ساحر. غير أن الفتح العالمي و استتباب الدولة العالمية، دليل لا يمكن أن يرقى إليه شك.
و إن أهم من يعرف ذلك و يفهمه بعمق من البشر المعاصرين لذلك العهد، هم هؤلاء الخاصة المخلصون الممحصون، فكيف يمكن أن نتصور منهم أنهم يكفرون به و يرتدون عن الإيمان بمهدويته.
المناقشة الرابعة: إننا سبق أن ذكرنا في تاريخ الغيبة الكبرى [١] أن احتجاب الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الكبرى، مهما كان دقيقا و شاملا إلا أن الفرد إذا وصل في تربيته و تمحيصه إلى درجة معينة عالية من الإيمان، فأصبح من المخلصين الكاملين، كان له أن يرى الإمام و لا دليل على أنه (ع) يحتجب عن مثل هذا المستوى الرفيع من المؤمنين.
و هناك من الأخبار ما يدل على مرافقة المهدي (ع) لجماعة من الناس مع معرفتهم بحقيقته خلال الغيبة الكبرى. و أن عددا من الناس ممن كانوا يشاهدونه خلال ذلك كانوا يعرفونه حين يصادفونه بعد ذلك.
إذا، فهؤلاء المخلصون المعاصرون للظهور، كانوا يعرفون الإمام المهدي (ع) خلال غيبته، و ربما كان بعضهم متصلا به و معاشرا له. فمثل هؤلاء يكونون مطلعين على حقيقة المهدي (ع) منذ غيبته. و قد سمعنا غير بعيد، احتمال أن الإمام (ع) يخصهم خلال ذلك بالتعاليم التي تؤهلهم لتولي مسئولياتهم الجسيمة بعد الظهور.
[١] انظر ص ١٥٠ و ما بعدها إلى عدة صفحات.