تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٢٧ - الجهة الثالثة في محاولة فهم عام لهذه الأخبار
إذا، فهؤلاء الخاصة على يقين بأن هذا الشخص بعينه هو المهدي المنتظر، منذ غيبته فضلا عن عصر ظهوره. و معه فمن غير المحتمل أن يخطر على بالهم التشكيك بمهدويته.
و مع وجود هذه المناقشات و غيرها، يمكننا أن نطمئن تماما على استقامة هؤلاء الخاصة خلال ممارستهم الحكم و القضاء في دولة العدل العالمية. و خاصة بعد أن عرفنا أن أسلوب الإمام القائد (ع)، هو تعاهدهم بالتوجيه و الرعاية و الإصلاح.
و معه لا يكون مضمون هذا الخبر الدال على ارتدادهم، قابلا للإثبات التاريخي.
الجهة الرابعة: في تمحيص الإمام المهدي (ع) للأمة ككل.
و الأمة الإسلامية تشكل يومئذ أكثرية البشر، إن لم يكن جميعها. و الدولة الإسلامية المهدوية مسيطرة على العالم كله بطبيعة الحال.
و الفرد الاعتيادي فيها يواجه عدة مستويات من التمحيص، بحسب ما يدركه الباحث السابق على الظهور.
المستوى الأول: التمحيص تجاه عواطف الفرد و غرائزه و شهواته.
فإن الإنسان خلال الحكم العادل، لا يتحول عما خلق عليه من الميول و الغرائز، و ما ركب فيه من الشهوات، بل يبقى إنسانا بما له من عقل و فكر و غرائز و ميول؛ و قصارى ما يقدمه له التشريع العادل، هو أن ينظم له متطلبات هذه الجهات، بحيث يضمن له التوازن بينها أولا، و التكامل المستمر ثانيا.
كما أن قصارى ما تقدمه الدولة العادلة، هو أن تفتح له فرص هذا التوازن و التكامل على مصراعيها، اجتماعيا و اقتصاديا و نفسيا و فكريا و أما الأخذ بزمام المبادرة إلى التحكم في الغرائز المنطلقة و كبح جماحها، و تطبيق مفاهيم الفضيلة و العدل عليها، أو تطبيقها على هذه المفاهيم ... فهو موكول إلى الفرد نفسه على طول الخط، بحسب منطق الدعوة الإلهية، لا يختلف ما قبل الظهور عما بعده في ذلك.
إذا، فالفرد يواجه هذه المسئولية على طول الخط، و هي تشكل تمحيصا مهما بالنسبة إليه، حيث تقاس تصرفاته و ردود فعله، تجاه متطلبات عواطفه و شهواته المنحرفة! فبمقدار ما يمكنه أن يطبق عليها المنهج العادل في التوازن و التكامل، يكون ناجحا في التمحيص، و مهما قصّر في ذلك و استطاعت شهواته السيطرة على سلوكه و تفكيره، و أعاقت سيره نحو الكمال، كان فاشلا في التمحيص.