تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٩٦ - الفصل الخامس التخطيط الالهي لما بعد الظهور
لكننا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوة جديدة في فهم هذه الآية. و هي: ان المعنى الذي ذكرناه للعبادة و ان كان مهما و رئيسيا جدا ... إلا أنه ليس نهائيا بحال. بل هناك مراتب أعلى من العبادة تكون تلك المرتبة الاولى مقدمة لها و إعدادا لايجادها، و كلها ممكنة الحصول من البشرية و اتصافها بها في المدى الطويل، كما سيتضح عند استعراضها.
و بطبيعة الحال، كلما تصورنا مرتبة من العبادة ممكنة للبشرية، كانت مندرجة في مدلول الآية الكريمة، لعدم وضع الآية أي تحديد على مفهوم العبادة فيكون ايرادها مطلقة، دليلا على ايراد العبادة المطلقة.
إذا، فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مجرد وجود الدولة العالمية، و إنما وجدت هذه الدولة العظيمة. و خطط لها في تاريخ البشرية الطويل من أجل هدف أعلى و أهم أمامها. و يكفينا الآن أن نعبر عنه ب (العبادة المطلقة) لخالق الكون، حتى يأتي في مستقبل البحث ما يلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم.
إذا، فوجود الدولة العالمية، لا يعني نجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية و تحققه في عالم الوجود، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة، و لا زال أمام البشرية الشيء الكثير لكي تصل إليه.
إذا، فلا معنى لقصر عمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة، بل لا بد أن تبقى حتى تستوفي غرضها الأعمق، إذ يستحيل تخلف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية.
الدليل الثاني: انه يستبعد أن يكون زمان النتيجة أقصر بكثير من زمان المقدمات:
فإننا عرفنا كم من الزمان يستغرق اعداد البشرية لليوم الموعود ... و هو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نجاز ذلك اليوم العظيم. و هو ما لا يقل عن عدة آلاف من السنين، إن لم يكن أكثر من ذلك، كما عليه أنصار الفكر الحديث. و قد استوعبت هذه المدة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية و آلامها و مظالمها، و من جهود الأنبياء و الأولياء و المصلحين و الشهداء؛ و من ظروف التمحيص الإلهي، و ما أدته البشرية من خيرات و ما ارتكبته من جرائم. فإن كل ذلك، كان مقدمة لليوم الموعود، و إعدادا لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحققه بدونه، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور.
و قد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مفصلا [١].
[١] انظر الفصل الخاص بالتخطيط الإلهي ص ٢٣٣.