تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٠٦ - الجهة الرابعة في الحديث عن بعض خصائص المسيح عيسى بن مريم
مريم (ع).
الوجه الثاني: القاعدة العامة التي نصت عليها الأخبار التي سمعناها، و هي يقولها المسيح نفسه حين يعتذر عن تقدمه لامامة الجماعة بالمسلمين: ان بعضكم على بعض أمراء، تكرمة اللّه هذه الأمة.
فإنه بصفته نبيا لملة أخرى غير دين الإسلام، يكون من الوهن في الحكمة الإلهية أن يكون حاكما للمجتمع المسلم بما فيه من أولياء و صالحين، و كأنه يظهر عندئذ عجز الأمة الإسلامية عن ايجاد قائد كبير منها. بل ان الحكمة و التفضل الإلهيين اقتضى أن يكون الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية مسلما بالأصل لا يمت إلى أي دين آخر بصلة، مضافا إلى صفاته الأخرى.
الناحية الخامسة: دلت الرواية على أن بقاء المسيح في الأرض بعد نزوله أربعون سنة. و لعل المراد به مجرد الكثرة، بشكل يناسب أن تكون أكثر أو أقل بمقدار ما. و حيث يكون من الراجح، كما سوف نشير أن الإمام المهدي (ع) لن يبقى في الحياة بعد ظهوره، إلا حوالي العشر سنوات، إذا فسوف يبقى المسيح بعد المهدي (ع) حوالي ثلاثين عاما، و هي فترة ليست بالقصيرة بالنسبة إلى النظام المهدوي الجديد.
و يؤيد ذلك قوله في رواية أخرى: و عيسى في آخرها. فإنه لا يكون في آخرها إلا إذا كان متأخرا في البقاء في الحياة عن الإمام المهدي (ع).
و مهما يكن شكل الرئاسة العليا لدولة العدل العالمية بعد الإمام المهدي (ع)- و هذا ما سنذكره في الباب الآتي-، فإن المسيح (ع) سوف لن يتولى الرئاسة على أي حال، بل سيكون له قسط من العمل و التوجيه، أو يستمر بنفس صفته التي كان عليها بين يدي شخص الإمام المهدي (ع).
نعرف ذلك من القاعدة التي سمعناها: ان بعضكم على بعض امراء. و من الواضح أن الأولياء الموجودين بعد المهدي (ع) كلهم مسلمون بالاصل غير المسيح، لأنه نبي لدين سابق. فيكون هؤلاء الأولياء أولى منه بتولي الرئاسة.
و إذ تنتهي حياته و يحين أجله، تسكت الروايات عن كيفية موته و سببه. و المفروض أنه يموت كما يموت غيره من البشر، فهو الآن يصعد بروحه وحدها إلى السماء بعد أن كان قد صعد فيما سبق بروحه و جسمه معا.
إن قانون: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» يعين عليه الموت مهما طال عمره فإنه قانون عام