تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٧٦ - الجهة الثالثة في مقتل إبليس
التخطيط السابق و التخطيط اللاحق على الظهور.
و هذه الأطروحة و كذلك الثانية، تصدق بغض النظر عن بعض المناقشات الجانبية في مضمون الخبر الذي سمعناه بهذا الخصوص، و الذي يطول بنا المقام في سردها.
غير أن أهم مناقشة تواجهها هذه الأطروحة، بعد التسليم بأن ذاك الخبر وحده غير كاف في الإثبات التاريخي ... هي جهلنا بمقصود القرآن الكريم من (الوقت المعلوم).
فإن القرآن ظاهر فعلا بأن (الوقت المعلوم) أقصر مدة و أقرب زمانا من (يوم يبعثون).
إلا أنه لم يحدد هذا الوقت المعلوم ... فلعل المراد به يوم موت إبليس نفسه، فكأنه قال:
إنك من المنظرين إلى حين موتك. و لعل المراد به يوم ظهور المهدي (ع) كما هو مبين في هذا الخبر. و لعل المراد به يوم وجود المجتمع المعصوم. كما سنسمع في الأطروحة الآتية، كما لعل المراد الإشارة إلى وجود حادث كوني معين يؤدي بحياة الشيطان، أو يجعل حياة الشياطين متعذرة.
و حيث لا معين لأحد هذه الاحتمالات من ظاهر القرآن الكريم، و هذا الخبر وحده غير كاف للإثبات. إذن فلا يمكن التأكد من صحة الأطروحة الأولى.
الأطروحة الثانية: الأطروحة الرمزية. و هي أن نفهم من مقتل إبليس مقتله في نفوس البشر، بحيث انه- مهما كان في ذاته- لا يبقى له أي أثر أو وجود عملي على سلوك البشر على الإطلاق، و ذلك حين تجتث الدولة الإسلامية العالمية العادلة، عناصر السوء و الفساد من الأرض و تبدلها إلى جو الخير و الصلاح، في نفوس و عقول الأفراد أجمعين.
فحينئذ لا يبقى لوجود إبليس أية قيمة من الناحية العملية. و اما بقاؤه حيا في عالمه أو موته هناك، فهذا غير مهم بالنسبة إلينا.
و حيث كان وجود الخير و الصلاح في البشرية كلها ناتجا من جهود الإمام المهدي (ع) و تعاليمه و قوانينه، كان نسبة مقتل إبليس إليه أمرا صحيحا. و إنما كان مقتله في مسجد الكوفة- على ما نطق به الخبر- لأن هذا المسجد بصفته أحد المراكز المهمة في العاصمة العالمية: الكوفة، سيكون هو منطلق تعاليم المهدي (ع) و نشر هدايته على العالم. و من الواضح عندئذ كيف يتأسف الشيطان لذلك و يجزع، كما سمعنا من الخبر- و يكون مقتولا في النفوس بسيف المهدي (ع) و سلاحه المعنوي.
إن هذه الأطروحة تنطلق من آيات القرآن الكريم أيضا، فإن مجموعة منها صريحة في