تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٧٤ - الجهة الثانية في المبررات الكافية لاتخاذ المهدي
كثير من القضايا، و معه، يكون اتخاذ هذا الأسلوب لأول مرة محكا للتمحيص، و حين يتكرر الأمر و يتضح السر فيه، سيتخذ الموقف مبررا آخر أعمق من هذا المبرر.
المبرر الثاني: تعويد المجتمع على الوصول إلى الواقع في المرافعات القضائية. فحين يعلم الإمام المهدي (ع) أن القواعد القضائية ستوصل القضية إلى الواقع لا يكون لديه مانع من استعمالها، و حين يعلم مخالفتها للواقع فإنه سيهملها و يتجه في حكمه نحو الواقع مباشرة. و قد قلنا في الفصل السابق أن الحاكم العادل مخير بين الأسلوبين باستمرار.
و من هنا كان هذا الأسلوب معتادا له، لا بمعنى أنه يتخذه في كل القضايا على الإطلاق، بل بمعنى أنه يكثر من اتخاذه، و ذلك في موارد مخالفة القواعد العامة للواقع، و من هنا يمكن القول: بأن المهدي (ع) يجمع ما بين قضاء داود (ع) و قضاء محمد (ص). و حيث نعرف أن قضاء محمد (ص) أعني القضاء بالبينة و اليمين غالبي المطابقة للواقع، و قليل المخالفة له، نعرف أن المهدي (ع) سيتخذ قضاء محمد (ص) في الأغلب و قضاء داود في الأقل. و لكنه (ع) سيصل إلى الواقع على كل تقدير.
و لا حاجة إلى التوسع في هذا المبرر أكثر من ذلك.
المبرر الثالث: تعويد المجتمع على الوصول إلى الواقع، في كل مصالح العامة، و ليس في القضاء فقط. فإن القضاء بالرغم من أهميته ليس هو أهم مرافق الدولة و أعمق مستوياتها، فإذا كان الجانب الأضعف محتاجا إلى الوصول إلى الواقع، فكيف بالجانب أو الجوانب المهمة و العليا في الدولة و المجتمع.
و المنطلق الأساسي لهذا المبرر، هو أن الحكم العادل المطلق، الذي يحصل فيه الانسجام المطلق بين البشر أجمعين، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد التشخيص الحقيقي لكل الوقائع و الحوادث، و الرؤية الواضحة لكل الظواهر و التحركات، و أي ضعف في التشخيص أو جهل في الرؤية، يؤدي إلى تضعضع العدالة في الحكم الوارد في الواقعة.
و إذا كثر هذا الضعف كثر هذا التضعضع، و من ثم قد يؤدي بعدالة النظام ككل.
و لا نريد بالتشخيص الحقيقي و الرؤية الواضحة، إلا ملاحظة كل واقعة و حادثة على واقعها من دون لبس و غموض. إذا، فتطبيق العدل الكامل المطلق، متوقف على الوصول إلى الواقع دائما، أعني في المصالح العامة- و قد يصل بعد التربية البشرية المستمرة حتى إلى الوقائع الشخصية الخاصة.
و هذا هو أحد الفروق بين داود (ع) و المهدي (ع) و حيث وقع هذا القضاء من داود