تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٥٨ - الجهة السادسة في السياسة المالية للدولة المهدوية
غير واحد يأتي و يأخذ ثم يندم لأنه أصبح الوحيد الطامع بالمال، ثم يحاول إرجاعه فيرفض طلبه.
و كلا هاتين الصورتين المعروضتين في الأخبار، صريحتان في شمول الغنى المالي الواسع لكل الناس في المجتمع، و أن المال و الذهب و الفضة و الأحجار الكريمة قد سقطت عن الرغبة الاجتماعية، باعتبار توفرها كالماء و التراب.
هذا، و لكن هذه الأخبار تواجه بعض الأسئلة يحسن عرضها و محاولة الجواب عليها، و سنذكر كل سؤال في ناحية مستقلة:
الناحية الأولى: ما سبب تكدس المال و كثرته في الدولة المهدوية، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد.
و للجواب على ذلك عدة أطروحات محتملة لا بد من عرضها و تمحيصها.
الأطروحة الأولى: توفر المال عن طريق المعجزة، ببركة الإمام المهدي (ع) و دعائه.
و لكن هذه الأطروحة لا تتم لعدة اعتراضات، نذكر منها اثنين.
أولا: أنها خلاف قانون المعجزات، من حيث أنه مهما أمكن وجود الشيء على الطريقة الطبيعية لم يجز حمله على الوجود بسبب إعجازي. و إمكان فهم توفر المال بالطريق الطبيعي واضح، بعد الاطلاع على الأطروحتين التاليتين.
ثانيا: أن السياق العام لهذه الأخبار التي تذكر تكدس المال و كثرته، يشير إلى عدالة النظام و استقامة الأمور إلى حد يتوفر المال بهذه الكثرة. و من الواضح أن افتراض توفر المال عن طريق المعجزة ينافي هذا السياق، لإمكان وجود المعجزة- مع اقتضاء المصلحة- في أشد الأنظمة ظلما و فسادا. و بتعبير آخر: إن المال سوف يكون نتيجة للمعجزة لا للنظام العادل، و هو خلاف ظاهر الأخبار. و معه فلا تكون هذه الأطروحة صحيحة.
الأطروحة الثانية: إن المال يتوفر لدى الدولة عن طريق ما تقوم به في الزراعة و الصناعة و التعدين و غيرها من استثمارات. توجب توفر المال للدولة و الأفراد معا.
و بهذه المشاريع يتوفر في الدولة العالمية المهدوية الاكتفاء الذاتي، بل زيادة المنتجات على الحاجات من ناحية، و يتوفر فيها زيادة على ذلك كمية ضخمة من النقد ليس لها منفذ و مصدر للصرف معين. فإن مصادر استهلاك المال- مهما تعددت- فهي تعود إلى الحاجة،