تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٥ - الجهة الثالثة في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور
التخطيط الأول. و هو مرور الفرد بمصاعب و عقبات تجاه العدل، ليرى موقفه منها ورد فعله تجاهها. فان وقف موقفا اسلاميا عادلا كان ناجحا في هذا التمحيص و إلا كان فاشلا.
لكن يختلف سبب التمحيص في التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد، فإننا قلنا في التخطيط الأول أن ظروف الظلم و الانحراف كافية في التمحيص، من حيث رد الفعل الاسلامي الصحيح من الفرد تجاهها. و اما في التخطيط الثاني، فسوف لن يكون لعصور الظلم و ظروف الفساد أي أثر و انما ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسئوليات التي يفرضها التمسك بالعدل الكامل و تطبيقه، و المحافظة على بقائه في علاقة الفرد مع نفسه و مع ربه و مع الآخرين و مع النظام العام القائم ... تلك العلاقات التي يتوقع من الفرد خلالها رد فعل اسلامي عادل كامل.
و سوف يكون التمحيص شاملا لكل فرد بمقدار قابلياته و ثقافته، لأنه يتناسب دائما مع ارتفاع الثقافة تناسبا طرديا مطردا ... إذا يقبح على اللّه عز و جل أن يوفر للفرد امتحانا و تمحيصا يكون الفرد فيه فاشلا باليقين، فان ذلك خلاف العدل الإلهي. و انما يكون التمحيص على مقدار الثقافة و القابلية دائما. حتى ما إذا وصلت الثقافة قمة عالية. كان التمحيص في غاية الدقة و الصعوبة. و كان النجاح المتوقع منها نجاحا مناسبا لتلك المرتبة، و الفشل الصادر فيها مسجلا بادق الموازين و بأهون العثرات.
و قد وردت في أخبار المصادر الخاصة، نماذج للتمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة الأولى من عهده، تجاه الأمة عامة و تجاه أصحابه الخاصين- ممن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول- خاصة. على ما سوف نعرف تفصيله في ما يأتي.
و قد يخطر في الذهن: انه ما الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد، و إنما كانت الحاجة في التخطيط السابق إلى التمحيص، لإيجاد العدد الكافي من أفراد الجيش الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع). و قد أنجز هذا الجيش عمله، و انتفت الحاجة إلى مثله، فلما ذا يستمر التمحيص ساري المفعول في البشر.
و جواب ذلك: ان ناموس اللّه تعالى في خلقه هو تربيتهم عن طريق التمحيص ...
كما دل عليه الكتاب الكريم في عدد من آياته، و السنة الشريفة، منها، قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [١].
[١] آل عمران: ٣/ ١٧٩.