الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٠٤ - الأمر الأول فی منشأ و ملاك دلالة لفظ الأمر علی الوجوب
أنّها كما لم توضع لخصوص الوجوب أو الندب، كذلك لم توضع للجامع بينهما، بل وضعت لما ذكرناه، هذا مضافاً إلى عدم الفرق بين الوجوب و الندب من هذه الناحية. و إذن فلا يكون الإطلاق معيناً للأوّل، دون الثاني، فحاله حال الوجوب من هذه الناحية من دون فرق بينهما أصلاً [١].
دلِیل القول الثالث
الطلب الوجوبيّ لمّا كان أكمل و أشدّ بالنسبة إلى الطلب الاستحبابي، فلا جرم عند الدوران مقتضى الإطلاق هو الحمل على الطلب الوجوبي [٢].
قال المحقّق العراقيّ رحمه الله : «تقريبه من وجهين: أحدهما: بأنّ الطلب الوجوبيّ حِیث کان أکمل بالنسبة إلى الطلب الاستحبابي، لما في الثاني من جهة نقص لا يقتضى المنع عن الترك، فلا جرم عند الدوران مقتضى الإطلاق هو الحمل على الطلب الوجوبيّ، إذ الطلب الاستحبابي باعتبار ما فيه من النقص يحتاج إلى نحو تحديد و تقييد، بخلاف الطلب الوجوبي، فإنّه لا تحديد فيه حتّى يحتاج إلى التقييد. و حينئذٍ فكان مقتضى الإطلاق بعد كون الأمر بصدد البيان هو كون طلبه طلباً وجوبيّاً، لا استحبابيّاً.
و ثانيهما: أنّ الأمر بعد أن كان فيه اقتضاء وجود متعلّقه في مرحلة الخارج و لو باعتبار منشئيّته لحكم العقل بلزوم الإطاعة و الامتثال، فتارةً يكون اقتضائه بنحو يوجب خروج العمل عن اللا اقتضائيّة للوجود بنظر العقل بحيث كان حكم العقل بالإيجاد من جهة الرغبة لما يترتّب عليه من الأجر و الثواب. و أخرى يكون اقتضائه لتحريك العبد بالإيجاد بنحو أتمّ بحيث يوجب سدّ باب عدمه حتّى من طرف العقوبة على المخالفة علاوةً عمّا يترتّب على إيجاده من المثوبة الموعودة. و في مثل ذلك نقول بأنّ قضيّة إطلاق الأمر يقتضى كونه على النحو الثاني من كونه بالنحو الأتمّ في
[١] . محاضرات في أصول الفقه (طبع دار الهادي) ٢: ١٤ (التلخِیص).
[٢] . نهاية الأفكار١: ١٦٢- ١٦٣ (التلخِیص و التصرّف).