الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٦٠٩ - القول الثاني صیغة الأمر تقتضي الفور
الدلِیل الرابع: العرف و العقلاء [١]
قال المحقّق الداماد رحمه الله : «يتبيّن ذلك [٢] بالمراجعة الأوامر الصادرة من الموالى العرفيّة إلى عبيدهم، فإنّه إذا أمر أحد منهم عبده بشيء و لم يعلم من حاله أو مقاله جواز التأخير يكون العبد ملزماً بإتيان الفعل فوراً و يكون تراخيه و عدم إقدامه بالفعل من دون فصل مساهلة في أمر المولى و مخالفة له في سلطانه. و لذلك يعدّ مذموماً عند العقلاء و لا يصحّ اعتذاره أنّه لم يقم قرينة علِی لزوم الإتيان فوراً، فيكشف ذلك عن أنّ الأمر بنفسه ظاهر في ذلك و لا يحتاج إلى دليل آخر. و لعلّ السرّ فيه أنّ الأمر بحسب اعتبار العقلاء عبارة عن التحريك نحو العمل و كما أنّ البعث الخارجيّ و التحريك العمليّ يستدعي التحريك و الانبعاث من دون فصل، فكذلك ما كان اعتباره ذلك. و لأجل ذلك يستدعي الأمر الإتيان بالمأمور به فوراً ففوراً؛ لأنّ هذا الاعتبار باقٍ ما لم يتحقّق متعلّق الأمر و ببقائه يستدعي الإتيان بعد فرض كونه تحريكاً نحو العمل» [٣].
أقول:کما ِیشاهد ذلك في الأوامر الصادرة من الرؤساء للمرؤوسِین في الإدارات و الوزارات و البنوك و غيرها. و لو لم يكن مقتضِی الأمر الفور، لاختلّ نظام الحکومة في أيّ مملکة کانت، فکلّ النظامات ِیتوقّف علِی الأوامر و الأوامر لا بدّ من إجرائها فوراً إلّا أن ِیصرّح بالتراخي، فالقول بالتراخي خلاف العرف و العقلاء إلّا إذا علم من القرائن ذلك.
کما قال بعض الأصولِیِّین حفظه الله: «إنّ العرف و العقلاء لا يعدّون العبد معذوراً إذا أخّر الامتثال.
هذا مضافاً إلى أنّ البعث التشريعيّ يطلب الانبعاث فوراً عند العقل، كما في البعث التكويني و لا معنى لأن يكون البعث في الحال و الانبعاث في المستقبل، فإنّ البعث التشريعيّ بمنزلة دفع إنسان بيده لطلب خروجه من الدار- مثلاً» [٤].
[١] . المحاضرات (مباحث أصول الفقه، المحقّق الداماد)١: ١٨٩_ ١٩٠؛ أنوار الأصول١: ٣٠٩.
[٢] . ظهور صِیغة الأمر في الفور.
[٣] . المحاضرات (مباحث أصول الفقه، المحقّق الداماد)١: ١٨٩_ ١٩٠.
[٤] . أنوار الأصول١: ٣٠٩.