الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣٩٩ - الأمر الأول فی منشأ و ملاك دلالة لفظ الأمر علی الوجوب
إشکالان فِی الدلِیل الأوّل
الإشکال الأوّل
إنّ موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لا يكفي فيه مجرّد صدور الطلب مع عدم اقترانه بالترخيص لوضوح أنّ المكلّف إذا اطّلع بدون ترخيص من قبل المولى على أنّ طلبه نشأ من ملاك غير لزوميّ و لا يؤذي المولى فواته، لم يحكم العقل بلزوم الامتثال. و هذا يعني أنّ الوجوب العقليّ فرع مرتبة معيّنة في ملاك الطلب. و هذه المرتبة لا كاشف عنها إلّا الدليل اللفظي؛ فلا بدّ من أخذها في مدلول اللفظ لكي ينقّح بذلك موضوع الوجوب العقليّ و هو معنى كون الدلالة لفظيّةً [١].
أقول: مضافاً إلِی أنّ الطلب له مراتب، فلا بدّ من قرِینة خاصّة تعِیّن تلك المرتبة، خصوصاً للمجتهد الذي ِیرِید الحکم لکلّ المکلّفِین باحتمال إرادة مرتبة عالِیة من الطلب؛ فلا بدّ في إثبات المرتبة العالية من قرِینة قطعِیّة. و أمّا المرتبة الدانِیة فلا ِیحتاج إلِی القرِینة؛ لأنّها أقلّ المراتب. و الأمر ِیدلّ علِی مطلق الطلب فحسب، کما سبق منّا مفصّلاً.
الإشکال الثاني
قال بعض الأصولِیِّین رحمه الله : «إنّ الالتزام بهذا المبنى تترتّب عليه آثار لا يمكن الالتزام بها فقهيّاً و تكون منهجاً جديداً في الفقه:
منها: لزوم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب فيما إذا اقترن بأمر عامّ يدلّ على الإباحة و الترخيص؛ كما إذا ورد أكرم الفقيه و لا بأس بترك إكرام العالم.
و منها: أنّه لو صدر أمر و لم يقترن بترخيص متّصل و لكن احتملنا وجود ترخيص منفصل، فالبناء الفقهيّ و العقلائيّ على استفادة الوجوب من الأمر حتّى يثبت خلافه، مع أنّ هذا ممّا لا يمكن إثباته على هذا المسلك؛ لأنّه قد فرض فيه أنّ العقل إنّما
[١] . بحوث في علم الأصول ٢:١٩.