الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣٩٦ - الأمر الأول فی منشأ و ملاك دلالة لفظ الأمر علی الوجوب
المفاهيم الانتزاعيّة المنتزعة من الطلب المقارن بما يدلّ على شدّة علاقة المولى بالإتيان بالمأمور به و عدمها. و إنّما ينتزع الوجوب و الندب من المقارنات، فإن أمر المولى بشيء و اقترن الأمر بما دلّ على عدم رضاه بتركه، انتزع منه الوجوب؛ كما أنّه إذا أمر به و اقترن به يدلّ على رضاه بتركه في عين رجحانه، انتزع منه الندب. فإذاً ليس الوجوب و الندب من مداليل لفظ الأمر أو هيئة إفعل، بل كلاهما من المفاهيم الانتزاعيّة، فكيف يمكن استظهار واحد منهما من حاقّ اللفظ! [١].
دلِیل القول الأوّل: التبادر [٢]
إشکال في الاستدلال بالتبادر
أقول: إنّه يمكن أن يكون التبادر ناشئاً عن الظهور الإطلاقي، فلا يكشف عن استناده إلى حاقّ اللفظ، فلو قال الشارع أقيموا صلاة الليل فلا يبعد أنّه يصدق أنّ الشارع أمر بذلك و إن علم بالترخيص في الترك. و الشاهد على ذلك عدم صحّة سلب الأمر عن الطلب المولويّ الندبيّ عرفاً، فإنّنا لا نحسّ بوجداننا العرفيّ أيّ تجوّز في استعمال كلمة الأمر في المستحبّات؛ مثل: ما رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ- تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ) [٣] الْآيَةَ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ جَبْرَئِيلَ علِیه السّلام عَنْ مَعْنَاهَا فَقَالَ: لَا أَدْرِي حتّى أَسْأَلَ رَبَّكَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك [٤].
و يؤيّد ما ذكرناه أنّ كلمة النهي تصدق على النهي الكراهتيّ حقيقةً و الظاهر أنّه لا يوجد اختلاف بين كلمة الأمر و كلمة النهي في هذه الجهات.
[١] . المحصول في علم الأصول١: ٣١٠ (التلخِیص).
[٢] . بحوث في علم الأصول ٢:١٨.
[٣] . الأعراف: ١٩٩.
[٤] . عوالي اللئالي العزِیزِیّة في الأحادِیث الدِینِیّة٢: ١٣٧، ح ٣٧٨. (هذه الرواِیة مرفوعة و ضعِیفة).