تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٥١ - الجهة السادسة البيعة بعد الخطاب
أتى جبرائيل (ع) إلى رسول اللّه (ص) يعوده. فقال: السلام عليك يا محمد. هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا. و عن عطاء بن يسار ان رسول اللّه (ص)، لما حضر أتاه جبرائيل، فقال: يا محمد الآن اصعد إلى السماء، و لا أنزل إلى الأرض أبدا. و عن أبي جعفر (ع) قال: لما حضرت النبي (ص) الوفاة ... إلى أن قال: فعند ذلك قال جبرائيل: يا محمد، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي فيها و الجواب على ذلك، يكون من عدة وجوه، نذكر أهمها:
الوجه الأول: ان هذه الروايات النافية لنزول جبرائيل (ع) مقيدة- في حقيقتها- بقيد خفي غير مصرح به، و هو عدم تعلق الأمر الإلهي أو المصلحة العامة أو رغبة رسول اللّه (ص) بنزوله مرة أخرى. فكأنه قال: هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا، إذا لم يحصل أمر إلهي أو مصلحة عامة أو رغبة رسول اللّه (ص) بذلك، فان حصل شيء من ذلك، فاني سأنزل الى الدنيا.
و من المعلوم أن الروايات الدالة على نزوله مع المهدي (ع) تدل على حصول شيء من ذلك، أو كله، فان شأن المهدي (ع) بصفته المطبق الأكبر للهدف الأعلى من التخطيط العام، يناسب ذلك.
و وجود مثل هذا القيد الخفي الضمني في مضمون الكلام واضح لا يحتاج إلى استدلال غير أن قوله في احدى هذه الروايات: و لا أنزل إلى الأرض أبدا، ينافي فكرة هذا التقييد، فإنها تدل- على الأقل- بأن شيئا من ذلك سوف لن يحدث و من ثم لن ينزل جبرائيل (ع) إلى الأرض أبدا. غير أن هذه رواية واحدة يمكن التجاوز عنها بدلالة الروايات السابقة الدالة على نزوله مع المهدي (ع) كما أن هناك روايات أخرى تدل على نزوله في مناسبات أخرى بعد وفاة النبي (ص) إلى نهاية البشرية، تكون نافية لمدلول هذه الرواية.
الوجه الثاني: هناك في هذه الروايات ما يدل على ما يشبه التقييد المشار إليه. و هو قوله: انما كنت أنت حاجتي فيها. فانه دال على أن نزوله كان من أجل رسول اللّه (ص) و تنفيذ مصالحه العامة و رغباته الحكيمة. فاذا علمنا أن رسول اللّه (ص)، نفسه يرغب بتأييد المهدي (ع) و يدرك مصلحة وجوده و هدفه العام كما قد بشر به مرارا و تكرارا خلال حياته، كما دلتنا على ذلك الأخبار المتواترة. اذن فسيكون نزول جبرائيل (ع) مع