تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٧١ - الجهة الأولى في سرد الأخبار الدالة على هذه المنجزات
«وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ» قلت: حين حكما في الحرث كانت قضية واحدة؟! فقال: إنه كان أوحى اللّه عز و جل إلى النبيين قبل داود، إلى أن بعث اللّه داود، أي غنم نفشت في الزرع، فلصاحب الحرث رقاب الغنم. فلا يكون النفش إلا بالليل. فان على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار، و على صاحب الغنم حفظ الغنم في الليل. فحكم داود (ع) بما حكمت به الأنبياء (ع) من قبله.
و أوحى اللّه عز و جل إلى سليمان (ع): أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع الا ما خرج من بطونها. و كذلك جرت السنة بعد سليمان. و هو قول اللّه عز و جل: و كلا آتينا حكما و علما. فحكم كل واحد منهما بحكم اللّه عز و جل.
و المستفاد من هذا الخبر و غيره، ان اعتداء الغنم على الحقل، إن كان بالنهار فلا ضمان على صاحب الغنم، لأن صاحب الحقل هو الذي يجب عليه حفظ حقله في النهار، فإذا اعتدت غنم غيره عليه كان هو مقصرا، و لا يضمن له صاحب الغنم شيئا. و أما اعتداء الغنم في الليل فهو مضمون على صاحب الغنم، لأنه يجب عليه حفظ غنمه من الاعتداء على الآخرين أثناء الليل، فإذا لم يمنعها كان مقصرا و عليه الضمان.
و كان الاعتداء في القضية التي عرضت على داود و سليمان (ع)، اعتداء ليليا، فكان صاحب الغنم ضامنا لما أتلفته غنمه. و لكن ما ذا يجب أن يدفع صاحب الغنم إلى صاحب الحقل؟ إن في ذلك ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: انه تقدر قيمة التالف من الزرع، و يأخذ صاحبه من النقود بقدر هذه القيمة. و هذا صحيح. إلا أن النقود لم تكن موجودة في ذلك العهد، بل كانت المبادلة كلها بين الناس باعتبار العروض نفسه. فكان هذا الاحتمال مما لا يمكن العمل به يومئذ.
الاحتمال الثاني: انه تقدر قيمة التالف في الحقل، و يأخذ صاحبه بقدر قيمته من العروض مما يملكه صاحب الغنم. و أقرب شيء يأخذه صاحب الحقل هو ما أنتجته الغنم المعتدية نفسها من حليب و ولد و غيره. و هذا هو الذي حكم به النبي سليمان، طبقا لتفهيم اللّه عز و جل ... كما يقول الخبر.
الاحتمال الثالث: ان صاحب الغنم يدفع إلى صاحب الحقل الغنم المعتدية