تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٤ - الجهة الثانية في فهم مفردات هذه الأخبار
غير أن متابعة العلم كان هو الأسلوب المرجوح في الشريعة الإلهية، لأنه يتعذر استعماله دائما و لكل أحد ... و كان من الراجح استعمال الأسلوب القضائي العام و هو طلب البينة دائما و بلا استثناء، حتى لو كان خاطئا أحيانا، ليستقيم القضاء على وتيرة واحدة عنده و عند غيره من الناس.
إذا، فقد استعمل النبي داود (ع) الأسلوب المرجوح في هذه الواقعة، و عرف بعد ذلك أن هذا كان امتحانا، لأن الحادثة من موارد اختلاف الأسلوبين كما أشرنا، و كان الراجح استعمال الأسلوب الآخر، فخر راكعا و أناب.
و قد يخطر في البال: أن هذا الأسلوب إذا كان مرجوحا، فكيف سمعنا من الروايات عمل المهدي (ع) به.
و جوابه يكون من عدة وجوه تأتي عند التعرض لقضاء المهدي (ع)، و أوضحها أن ظروف التمحيص المخططة تجيز للمهدي (ع) ذلك، على أقل تقدير.
فهذا هو قضاء داود (ع)، و لا مجال للتفصيل فيه أكثر من هذا المقدار.
و أما (قضاء إبراهيم) و (قضاء آدم) (ع). فهو مما لم يرد في التاريخ، إذ لم ينقل- حسب اطلاعي- أنه عرضت عليهما قضايا معينة حكما فيها بأحكام خاصة. و إن كان لا بد أن هذا قد حدث فعلا، لأن البشرية لا تخلو من مخاصمات، غير أنه لم يردنا بالتحديد أنواع تلك القضايا و مؤديات الأحكام فيها. غير أن الإمام المهدي (ع) عالم بها، فيمكنه تطبيقها في مواردها.
قوله: (إن أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر). و قصتهم مشهورة مذكورة في القرآن الكريم، لا حاجة إلى تفصيلها. و لكن يحسن بنا عرض فكرة الامتحان الذي مروا به.
أنهم حين ساروا بقيادة طالوت مدة متوجهين إلى منطقة العدو، مروا على نهر في طريقهم، و كانوا في أشد التلهف إلى الماء هم و دوابهم. فأصدر طالوت القائد قرارا بعدم جواز الشرب من النهر إلا في حدود غرفة واحدة من الكف يشربها كل فرد:
قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي. إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [١].
و كان رد الفعل تجاه هذا التشريع من قبل الجيش على ثلاثة أقسام:
[١] البقرة: ٢٤٩.