تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٧٦ - القسم الثاني الضمانات المنبثقة من شخص الإمام المهدي
(مستوردة) من أعلى. غير أن القرآن الكريم يخبرنا أنها إنما فكرت بذلك نتيجة للتسديد الإلهي.
و أما بالنسبة إلى مريم و الحواريين، فظاهر القرآن الكريم، ثبوت الوحي (لفظا و معنى) بالنسبة إليهم. مع احتمال أن يراد به (الإلهام) أيضا، و هو إلقاء المعنى في الذهن من دون لفظ ... فإنه من معاني الوحي لغة أيضا.
و على أي حال، فتشبيه الإمام المهدي (ع) بهؤلاء، في الرواية لا يستدعي أكثر من ثبوت أقل المراتب له (ع). بمعنى أنه لا تثبت الزيادة إلا بدليل آخر.
النقطة الثالثة: لا شك أن المهدي (ع) من أعاظم الأولياء، يكفينا أنه اختاره اللّه تعالى لتنفيذ غرضه الكبير من خلق البشر، و إنجاز العدل الكامل على وجه الأرض أفضل بكثير من مريم و الحواريين و أم موسى فضلا عن النحل.
النقطة الرابعة: إن كل صفة (كمالية) ثبت وجودها في الأقل شأنا، فهي ثابتة لا محالة في نظائره (باعتبار المساواة) و في الأفضل (باعتبار الأولوية) خذ مثلا أن (الكاسب) إذا استطاع أن يشتري دارا، فأحر (بالتاجر) أن يشتري مثلها أو أفضل منها. أو إذا استطاع المتخرج من إحدى الكليات تأليف كتاب نافع، فالحامل لشهادة الدكتوراه أولى بالقدرة على ذلك.
النقطة الخامسة: انه يثبت من ذلك: أن أي مرتبة ثبتت في إحدى هذه الموارد ففي (الإمكان) ثبوتها للمهدي (ع) بالأولوية. نعم، (وقوع) ذلك لا يدل عليه التشبيه- كما قلنا- إلا ناقل مراتبه ... و لكنه ليس هو المرتبة الضئيلة الثابتة للنحل على أي حال.
النقطة السادسة: إننا جعلنا هذه الرواية مؤيدة لقاعدة الإلهام بالنسبة إلى المهدي، و لكنها لا تصلح وحدها دليلا.
أولا: إنها لا تدل إلا على وقوع أقل مراتب (الوحي) للمهدي (ع). و هو- على كل حال- أقل من قاعدة الإلهام: إذا أراد الإمام أن يعلم أعلمه اللّه تعالى ذلك.
ثانيا: إنها مرفوعة، بمعنى أنها مجهولة الراوي، فلا تصلح للإثبات التاريخي.
و لكنها على أي حال تحتوي على نقطة قوة هي اختصاصها بالمهدي (ع)، بخلاف الروايات الأخرى فإنها عامة لكل إمام معصوم. فتثبت الخصيصة الثانية للمهدي بالعموم، لا بالتنصيص. و إن كان العموم كافيا على كل حال.