تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٤٨ - الجهة الرابعة موقف الإمام من الفكر الإسلامي
و أما القول: بأن علم المهدي بهذه الأحكام يكون بطريق إعجازي، كالإلهام و نحوه، كما ذكر ابن عربي في الفتوحات [١] فهو غير صحيح لأمرين:
الأمر الأول: إن هذا يتضمن معنى النبوة، فإننا نعني بالنبوة نقل الأحكام من اللّه تعالى بلا واسطة بشر، و هذا المعنى يكون ثابتا للمهدي. مع العلم أنه لم يدّع أحد أنه نبي، و لا يجوز ذلك في شرع الإسلام.
الأمر الثاني: إن هذه المعجزة منافية مع قانون المعجزات لعدم انحصار إقامة العدل بها، لوضوح إمكان إبدالها بالفهم الإمامي للمهدي ليكون نقل الأحكام عن طريق الرواية بشكل (طبيعي).
و أما ما أثبتناه للإمام في التاريخ السابق [٢] من وجود الإلهام، فهو لا محالة، خاص بالأساليب القيادية التي تمت إلى الوقائع الخاصة و نحوها بصلة، لا إلى الأحكام الأصلية في الدين.
فإذا كان من المقدر أن يكون الحكم المعين الجديد المعلن في دولة العدل العالمية المهدوية حكما أصليا و ثابتا، شأنه شأن وجوب الصلاة أو حرمة السرقة، فمثل هذا الحكم لا يمكن أن يتلقاه المهدي (ع) مباشرة عن اللّه عز و جل بالإلهام، و الا ثبتت له مرتبة النبوة و الرسالة، المنفية عنه بضرورة الدين، و إنما يكون ذلك بالرواية فقط. و يكون الإلهام مساعدا له فيما دون ذلك من الأشياء من خصائص القيادة العالمية.
الموقف الثاني: موقف المهدي (ع) من الأحكام التالفة.
و هو أيضا واضح جدا. فإن المفروض أن هذه الأحكام كانت معلنة في صدر الإسلام، فهي لا تحتاج في فهمها إلى العمق الجديد في التفكير، و إنما كان فقط، تحتاج المحافظة عليها و عدم إتلافها، إلى مستوى معين من القدرة الدفاعية و الشعور بالمسؤولية لدى المسلمين؛ الأمر الذي كان مفقودا خلال أجيال المسلمين التي فقدت هذه الأحكام.
و المهدي (ع)- بالفهم الإمامي- يكون عارفا بهذه الأحكام عن طريقين:
الطريق الأول: الرواية عن آبائه عن رسول اللّه (ص) عن اللّه عز و جل.
الطريق الثاني: معاصرة هذه الأحكام قبل تلفها، حين كانت معلنة و معروفة. و قد
[١] انظر الفتوحات المكية، ج ٣ ص ٣٢٧ و ما بعدها.
[٢] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٥٠٥.