تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٣ - الفصل الثاني في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور
فقال ذو القرنين: يا إلهي انك ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره غيرك. فأخبرني عن هذه الأمة، بأية قوة اكابرهم، و بأي عدد أغلبهم، و بأي حيلة أكيدهم، و بأي صبر أقاسيهم، و بأي لسان أكلمهم. و كيف لي بأن اعرف لغاتهم، و بأي سمع أعي قولهم، و بأي بصر انقدهم، و بأي حجة اخاصمهم، و بأي قلب أعقل عنهم، و بأي حكمة أدبر أمرهم.
و بأي علم اتقن امرهم، و بأي حلم اصابرهم، و بأي معرفة أفضل بينهم، و بأي عقل احصيهم. و بأي جند أقاتلهم، فإنه ليس عندي مما ذكرت يا رب شيء! فقوّني عليهم، فانك الرب الرحيم الذي لا تكلف نفسا إلا وسعها، و لا تحملها إلا طاقتها» [١].
فهذه الرواية تبرز بوضوح صعوبة ممارسة الحكم العالمي. و لئن ذللت المدنية الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حد ما، فانها اضافت إليها مصاعب و تعقيدات جديدة. تزيد في الطين بلة. و لو لا ان اللّه عز و جل وعده بعد ذلك- لو صحت الرواية- بالتوفيق و التسديد، لكان من الحق تعذر بل استحالة القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم، بل لبعض العالم، فان ذا القرنين لم يكن حاكما للعالم كله.
نعم، ترتفع هذه الاستحالة و يقل التعذر، مع وجود القيادة الجماعية الا اننا سبق ان ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق [٢]، و سيأتي تطبيق ذلك في مستقبل هذا التاريخ. و سيتضح انه لا يمكن للمهدي ان يأخذ بالقيادة الجماعية الا بعد ان تمر البشرية بتربية طويلة طبقا للمناهج التي يضعها بنفسه.
و على أي حال، فقد كان المقصود البرهنة على اهمية الخصيصة الأولى للمهدي (ع) و هي صفة العصمة، و انه لا يمكن لأي شخص غير معصوم الاضطلاع بمهمة القيادة العالمية.
و أما الخصيصة الثانية للامام المهدي (ع) في الفهم الامامي، و هي كونه القائد الشرعي و الوحيد للعالم عامة و لقواعده الشعبية خاصة، حتى في حال غيبته ... فتترتب عليها عدة فوائد بالنسبة إلى من يؤمن بقيادته. فان لها اثرها الكبير في تعميق التمحيص
[١] انظر إكمال الدين للشيخ الصدوق (نسخة مخطوطة).
[٢] انظر تاريخ الغيبة الكبرى، ص ٤٧٧ و ما بعدها.