تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢ - الفصل الثاني في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور
و لعل هذا هو السر الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم و اتصافه بها، مع انه لا تترتب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي.
و ذلك: انه قد يستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة، بان: غاية ما دل عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب و عن الكذب في التبليغ و الدعوة، لكي يكون كلامه مؤثرا في الآخرين و مقنعا لهم. بخلاف ما لو عرفوه محتمل الكذب في حياته السابقة، فان هذا التأثير لا يحصل لا محالة. و اما عصمته عن الخطأ و النسيان فهو مما لا يشمله ذلك الدليل، لإمكان تدارك ما فات بعد الالتفات.
و الجواب عن ذلك، على ضوء النتائج السابقة؛ ان العصمة عن الخطأ و النسيان مما يتوقف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل [١]. و خاصة في مهمته الأولى، و تحويل العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل، و المفروض في كل معصوم ان يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظريا. اعني ان يكون له من القابليات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها. باعتبار ان ايكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مستحيل على اللّه عز و جل، بل لا بد ان تنسجم دائما مدعيات الدعوة الالهية من الناحية النظرية مع امكان التطبيق على طول الخط.
هذا حال المعصوم، و اما غير المعصوم، فيتعذر عليه تماما قيادة العالم بالعدل، و خاصة في تحويله لأول مرة من الظلم إلى العدل، الأمر المملوء بالمشاكل و العقبات.
و لعل أطرف ما يبرز ذلك، ما روي عن ذي القرنين حين أوكل إليه اللّه تعالى قيادة العالم، و لم يكن حاكما من الناحية العملية إلا على بعض العالم ... و قد أوحى اللّه إليه تعالى؛ «يا ذا القرنين أنت حجتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين من مطلع الشمس الى مغربها. و هذا تأويل رؤياك.
[١] و لا ينافي هذا ما قلناه في التاريخ السابق عن القاعدة القائلة: اذا أراد الإمام أن يعلم شيئا أعلمه اللّه تعالى ذلك. فاننا حددناها هناك (ص ٥١٧) ببعض القيود. و لكنها في ضمن تلك الحدود تكون كافية للقيادة العالمية، و لا يقتضي الدليل الذي ذكرناه هنا ما هو أوسع من ذلك.