تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤١ - الفصل الثاني في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور
و نشر العدل و السعادة في ربوعهم. و ايصال الحق إلى اذهانهم.
و اجتماع هاتين العاطفتين، اعني الشعور بالابوة مع قصد القتل، لا تتوفر لدى أي أحد في التجربة الفعلية للفتح الاسلامي الا اذا كان معصوما.
و من هنا رأينا الفتح الاسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه، قد تحول إلى مقاصد اخرى لا تمت إلى الشعور بالعطف الابوي على الشعب المغلوب، بأي صلة ...
و انما اصبح الفتح تجاريا محضا، كما سمعنا طرفا منه في «تاريخ الغيبة الصغرى» [١].
فإذا كان هذا الشعور متعذرا لغير المعصوم في الفتح الاسلامي ذو النطاق المحدود، فكيف بالفتح الاسلامي العالمي، بما تزهق فيه من نفوس، و ما تحصل فيه من اموال، و ما يتسع فيه من سلطان.
الفائدة الثالثة: عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الاسلامي الصحيح الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي و التمسك بدفة الحكم و الجشع الشخصي ...
هذه الآثار السيئة و العواطف المنحرفة التي لا تكاد تنفك عن كل من يحكم رقعة من الأرض، او دولة معينة، فكيف إذا أصبح الحكم عالميا و اصبحت السيطرة و النفوذ في القمة من السعة و الشمول. ان الفرد مهما كان صالحا و نقيا قبل هذه القيادة، ستكون مثل هذه القيادة محكا لانحرافه و طمعه، لمدى ضغط الدافع الشخصي و المصلحي على الفرد الحاكم، ما لم يكن معصوما بالفعل عن ارتكاب كل قبيح و معصية في التشريع الاسلامي.
الفائدة الرابعة، الدقة الكاملة في التطبيق العالمي للاطروحة العادلة الكاملة و من ثم الأخذ بزمام المجتمع للعبادة المحضة للّه عز و جل، التي هي الهدف الأساسي من ايجاد الخليقة.
و هذه الدقة يمكن ان تتوفر للمعصوم بكل سهولة، بناء على الفهم الامامي للعصمة. و هو ان المعصوم ممتنع عليه الخطأ و النسيان مضافا إلى عصمته من الذنوب، و ان الامام (متى أراد ان يعلم شيئا اعلمه اللّه تعالى ذلك) كما نطقت به الاخبار [٢]. فان المشاكل العالمية مهما كثرت و تعقدت، يمكن للامام المتصف بهذه الصفات، ان يهيء لحلها اقرب الاسباب.
[١] انظر صفحة ٩٦ و ما بعدها.
[٢] انظر: الكافي (الاصول) لثقة الإسلام الكليني (مخطوط) في باب بعنوان: ان الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا.