تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٠٧ - الجهة الثالثة في إيضاح بعض النقاط الواردة في هذه الأخبار
الأمر الأول: إن القاعدة العامة للقادة الإسلاميين عموما جواز الإجهاز على الجريح و ملاحقة الفار و قتل الأسير و نحوها من التصرفات ... غير أن القادة الأوائل كفوا عن تطبيق هذا الحكم في عصورهم، من أجل مصالح وقتية خاصة في تلك العصور. قال علي (ع)- كما في الخبر-: «و لكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا». و هذه المصالح لن تتوفر في عصر الإمام المهدي (ع) و من هنا يكون له ان يأخذ بتطبيق الحكم المشار إليه الشامل له بصفته احد القواد الإسلاميين.
الأمر الثاني: إن القاعدة العامة للقواد الإسلاميين هو عدم جواز قتل الجريح و ملاحقة الفار و نحو ذلك. فهم تركوا ذلك في عصرهم الأول لعدم جوازه بالنسبة إليهم.
و لكن سيصبح ذلك جائزا للمهدي (ع) خلال الفتح العالمي «بذلك أمر في الكتاب الذي معه». و هو استثناء خاص بهذه الفترة. و سيرتفع الحكم بالجواز بالنسبة إليه بعد الانتهاء من الفتح العالمي، و يعود الأمر كما كان في عدم جواز هذا الأسلوب العسكري ... فيصبح الإمام المهدي (ع) «لا يهريق دما و لا يوقظ نائما».
و السر في هذا الاختلاف، على كلا التقديرين، هو اختلاف مستوى المجتمع الإسلامي الأول عن المجتمع المهدي اختلافا كبيرا جدا ... ذلك الاختلاف الذي عرفنا الكثير من خصائصه و مميزاته.
و أهم الخصائص التي تمت إلى تطبيق هذا الحكم بصلة، هو أن الإيمان و الكفر في العصر الأول، كان في الأعم الأغلب من: إيمان ما قبل التمحيص و كفر ما قبل التمحيص. لأن المجتمع لم يكن قد مر بفترة التمحيص الكبرى المخططة له قبل (الظهور). و سيكون الإيمان و الكفر في المجتمع الآتي: إيمان ما بعد التمحيص و كفر ما بعد التمحيص، بعد أن مر المجتمع بفترة التمحيص الكبرى.
إن مرور المجتمع بهذه الفترة ليس أمرا هينا أو ضئيلا. يكفينا أن نتصور أن القاتل (المؤمن) و المقتول (الكافر) في العصر الأول، لم يكن التمحيص قد شملهما، و من ثم فإدراكهما لأهمية القتال و نتائجه سوف تكون أقل بدرجة كبيرة، مما إذا كانا معا قد مرا بفترة التمحيص، فاكتسب الإيمان أهميته في نفس المؤمن و اكتسب الكفر أهميته في نفس الكافر أو المنحرف و اتسع أفقهما العقلي و الثقافي إلى حد كبير.
إن كافر ما قبل التمحيص، لمدى بساطته و ضآلة مستواه، (لا يستحق) إجراء هذا التكتيك العسكري الصارم عليه. و أما كافر ما بعد التمحيص، باعتبار أهميته و عمق