تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٠٥ - الجهة الثالثة في إيضاح بعض النقاط الواردة في هذه الأخبار
وجهه ... فإن النبي (ص)- و هو خير البشر- أولى من المهدي باستقامة الأمور عفوا، لو كان ديدن الدعوة على إيجاد هذه الاستقامة. و لكنها لم تستقم لخير البشر (ص) إذن فهي لا تستقيم لمن دونه، لا لقصور في القيادة عندهم، بل لأن ديدن الدعوة الإلهية ليس على ذلك.
و السر في ذلك- حسب ما نفهم- أن فكرة (التمحيص) غير خاص بالناس الاعتياديين أو بالدرجات الدانية من الإيمان. بل تمتد هذه الفكرة بمعنى أشرنا إليه في التاريخ السابق [١] لتشمل القواد الرئيسيين بما فيهم الأنبياء و الأولياء، و تكون فكرة التمحيص بالنسبة إليهم لزوم مرورهم بمصاعب و جهود تساوي مستواهم العالي لينالوا بها مستويات أعلى من باب (تكامل ما بعد العصمة) كما ذكرنا هناك. و لو استقامت الأمور للقادة لكان ذلك على خلاف التمحيص بالنسبة إليهم، و من ثم يحجب التكامل الذي سينالونه بالجهود و المصاعب، فيكون ظلما لهم، و هو مستحيل على الحكمة الإلهية.
مضافا إلى أن ظروف الجهود و المصاعب التي يمر بها هؤلاء القادة، ستكون محكا لتمحيص كل الجيل المعاصر من مؤمنين و غيرهم. من حيث النظر إلى ردود أفعالهم تجاه تلك القيادة المحقة، و مقدار ما يبذلون لها من جهود و تضحيات.
كذلك كانت قيادة النبي (ص) في صدر الإسلام، و على ذلك ستكون قيادة الإمام المهدي (ع) في مستقبل الدهر.
هذا، و إن استقامة الأمور عفوا تنشأ من أحد سببين:
السبب الأول: السبب الإعجازي. و قد برهنا على عدم إمكانه، لإمكان التعويض عنه بالطريق الطبيعي، بكل وضوح.
السبب الثاني: السبب الطبيعي، بمعنى اقتضاء التخطيط السابق على الظهور لهذه النتيجة. بأن يدعي شخص: بأن هذا التخطيط العام سار على شكل منتج في نهايته لاستقامة الأمور عفوا للمهدي (ع).
إلا أن هذا السبب أيضا غير محتمل، فإننا عرفنا كل تفاصيل التخطيط العام السابق فلم نجد فيه ما يقتضي ذلك، بل وجدنا فيه ما يقتضي العكس، بمعنى انه يقتضي وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل و الحق، بكل ما في الغزو من مصاعب و جهود و جهاد.
إذن، فاستقامة الأمور عفوا بقيت بدون منشأ صحيح، فلا تكون قابلة للإثبات.
[١] ص ٥٠٦.