تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٥١ - الجهة الرابعة عبادتهم
كما ان حسب الفرد ان يعرف اللّه حق معرفته ... اي كما ينبغي ان يعرف و كما هو أهل له. و أهم فقرة في ذلك بعد الاعتقاد بتوحيده و عدله، هو الشعور بأهمية طاعته و عظمة شأنه، و الانصياع النفسي و السلوكي الكامل لتنفيذ أوامره و تطبيق أهدافه ...
و أن يرى الفرد نفسه و كل ما يملك شيئا هينا يسيرا تجاه عظمة اللّه العليا، ينبغي تقديمها بكل سرور في سبيله. كذلك تكون صفة هؤلاء المؤمنين.
و يترتب على هذا الإيمان أمران مقترنان:
الأمر الأول: شجاعتهم الموصوفة في الأخبار، و سنعرض لها في الجهة الآتية. فإنها في الحقيقة شجاعة في تنفيذ أوامر اللّه و تطبيق أحكامه.
الأمر الثاني: عبادتهم الموصوفة في الأخبار، و تهجدهم في الاسحار ... الأمران اللذان يعبر عنهما في الروايات، رهبان في الليل ليوث في النهار».
الجهة الرابعة: عبادتهم.
هم رهبان الليل، من خشية اللّه مشفقون. فيهم رجال لا ينامون الليل لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل، يبيتون قياما على أطرافهم، و يصبحون على خيولهم.
إن العبادة- بمعناها الخاص- صفة واضحة الدلالة على الإيمان، و كلما ازداد الإيمان ازدادت العبادة؛ فالفرد من هؤلاء، لا يبالي بتعب النهار و الجهد و الجهاد الذي بذله فيه، و لن يمنعه ذلك من العبادة في الليل و التوجه إلى الرب العظيم بمزيد الصلاة و الدعاء و التسبيح، و استمداد العون منه و النصر. إنه الرب العظيم الذي يستقطب جهود الفرد في الليل و النهار.
إلا أن العبادة على هذا الشكل، مختصة ببعض أصحاب الإمام المهدي (ع) و ليست عامة لهم أجمعين: «فيهم رجال لا ينامون ...». فان الفرد منهم لو خلي و طبعه، لتهجد بالليل و تعبد، و قد كان على ذلك سلوكه قبل الظهور، قبل أن يمارس الجهاد. و لكنه الآن يبذل الطاقة الكبيرة خلال الجهاد نهارا، و يحتاج إلى تجديد طاقة أخرى للغد، إذن، فينبغي أن يستريح في الليل بعض الشيء. و من هنا لم يكن الكل ليقبلوا على عبادة الليل، بل كان ذلك صفة البعض منهم.
و إذا سوف نعرف في مستقبل هذا الفصل أن الشجاعة ظاهرة عامة لكل الجيش المهدوي، ففي الإمكان أن نعرض هذه الأطروحة بوضوح،: ان الخاصة المخلصين بالدرجة العليا، هم الذين يقومون بالجهاد و العبادة معا ... فهم رهبان الليل و ليوث