تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٩٢ - الجهة السابعة في خصائص أخرى نصت عليها الروايات، لأصحاب الإمام المهدي
و السرّ في هذه التسمية هي أنهم بقيادة امامهم المهدي (ع)، يمثلون غضب اللّه تعالى على المجتمع الفاسد المتفسخ عقيدة و نظاما و اخلاقا، و الحكم عليه بالفناء و الزوال، مع بديله إلى مجتمع عادل تسوده السعادة و الرفاه.
الخصيصة الثانية: انهم شباب لا كهول فيهم إلا أقل القليل، كالكحل في العين أو كالملح في الطعام، كما دلت عليه احدى الروايات. و هذا التشبيه دال على أن هؤلاء الكهول القلائل هم من أفضل الجماعة ايمانا و اخلاصا و ثقافة، و ان وجودهم فيهم ضروري ... شأن الملح في الطعام فانه على الرغم من قلته بالنسبة إلى سائر الأجزاء، الا أنه أهمها و أكثرها ضرورة.
و هذا أمر موافق مع خصائص النفس الإنسانية. فالشاب بطبيعة أقوى من الكهل اندفاعا و قوة و إرادة، و الكهل أفضل من الشاب رشدا و تجربة و ثقافة. و الجيش المتكامل يحتاج إلى كلا النوعين بطبيعة الحال. و لكنه إلى الاندفاع و قوة الإرادة أحوج. و أما الرأي- ان احتيج إليه- فيكفي فيه العدد القليل. و من الواضح كون الرأي الأهم موكول إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، الا فيما يستشير أصحابه من الأمور، كما كان النبي (ص) يفعل أحيانا، و خاصة بعد أن وعدهم أن يكون (حيث يريدون).
و قد يخطر في الذهن: ان المفروض في أصحاب الإمام المهدي (ع)- كما قلنا- أن يكونوا من المخلصين الممحصين المتكاملين في الإيمان و الإرادة إلى درجة عالية جدا. و هذا ما يحتاج الفرد في الوصول إليه إلى سنين و سنين و إلى ظروف كثيرة و تجارب مثيرة. و هذا لا يتم في الشباب على أي حال. فكيف ينسجم ذلك مع ما دل على كونهم- في الأغلب- من الشباب.
و الجواب على ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول: اننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى [١]: ان تمحيص الفرد و تربيته لا يعود فقط إلى الظروف التي يعيشها الفرد خلال حياته ... بل يعود جزء كبير منها إلى تربية الأمة ككل متمثلة بالأجيال المتصاعدة. فكل جيل من الصالحين يوصل نتيجة التمحيص إلى درجة معينة و يورثها إلى الجيل الذي يليه ليمشي بها خطوة أخرى ... و بقانون (تلازم الأجيال) يبقى التمحيص ساري المفعول على مجموع الأمة.
[١] انظر ص ٣٦٤ و غيرها.