تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٦ - الجهة الثالثة في الصعوبات التي يواجهها هذا البحث
و كأنه ليس في العالم من البشر الا المسلمين بمذاهبهم المختلفة.
نعم. من المنطقي الصحيح، ان يجمع المهدي (ع) المسلمين على الحق الذي يعتقد به. و ان يختبر الناس على اساسه. الا ان هذا لا يعني باي حال اقتصار جهوده على المسلمين، بعد الذي سنبرهن عليه من عالمية دعوته من ناحية و العلم الوجداني، بان غير المسلمين اضعاف المسلمين إلى حين اول الظهور؛ كيف و إن الأرض كانت و ستبقى إلى يومئذ مملوءة ظلما و جورا. اذا، فالجهود المبذولة من قبل القائد المهدي (ع)، و اصحابه الخاصة المخلصين على سائر العالم، اضعاف الجهد المبذول على المسلمين، او قل بتعادلهما على اقل تقدير. اما ان تكون جهوده المبذولة على المسلمين اضعاف جهوده على غيرهم، كما تدل عليه المصادر الخاصة، فهو مما لا يكاد يفهم.
و لعل في الامكان اعطاء المبررات الكافية لمثل هذا الاتجاه في الاخبار، الا انها- بأي حال- تبقى مقتضبة بالنسبة لموقف المهدي (ع) من غير المسلمين.
و أهم تبرير يمكن اعطاؤه لذلك. هو كون هذه الأخبار في واقعها انعكاسا للظروف المعاشة في زمن صدورها. و لا نعني بذلك كونها كاذبة او مفتعلة على نسق معين، فان لكل خبر حسابه الخاص طبقا للمنهج الذي اسلفناه. بل تعني ان ظروف الظلم و المصاعب التي كان يعيشها اصحاب الأئمة (ع) في المجتمع الاسلامي. من الدولتين الاموية و العباسية. كانت تعكس في نفوس القواعد الشعبية الامامية الاعتقاد بان الجبهة المضطهدة- بالكسر- لها، تمثل المذاهب الاسلامية الأخرى، و من ثم تكتسب القضية المذهبية في اذهانهم عمقا و أصالة، اكثر من نسبتها العالمية، لو صح التعبير. و يكون هؤلاء بحاجة إلى رفع معنوياتهم من قبل قادتهم الأئمة المعصومين (ع)، من هذه الناحية أكثر من اي ناحية اخرى. و ذلك باستخدام عدة طرق من اهمها: الكشف عن هذا الجانب بعينه من اعمال الامام المهدي (ع) و السكوت عن اعماله الاخرى التي لا تمت إلى حاجة المجتمع بصلة وثيقة، و ان كانت تمثل الجانب الأكبر في دولته.
و من المستطاع القول أيضا، ان الفجوات التي تركت، لم يكن المجتمع عموما ليهضمها بوضوح، باعتبارها ممثلة لتصرفات المهدي (ع) على المستوى العالمي و في عمق الوعي الذي يريده، مما لم يكن المجتمع في عصر صدور هذه الاخبار على مستوى استيعابه. و من ثم كان قانون «كلم الناس على قدر عقولهم» مانعا للمعصومين (ع) عن الاعراب و الكشف عن هذا الجانب من دولة المهدي (ع) مهما كان واسعا.
و على أي حال، فهذه الصعوبة التي نحن بصددها، تعتبر واقعا لا محيص عنه و ان