تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٣ - الجهة الثالثة في الصعوبات التي يواجهها هذا البحث
لا يخفى على المقارن.
و يمكن ان نعرض الصعوبات فيما يلي:
الصعوبة الأولى: قيام الأخبار الناقلة لحوادث المستقبل، على الرمزية في كثير من أساليبها و نقاط عرضها، و خاصة فيما يعود الى شخص المهدي (ع) كقوله في بعض الروايات الآتية «إذا هز رأسه أضاء له ما بين المشرق و المغرب» و انه «يضع يده على رءوس الأنام فيجمع احلامها» و ان «رايته ليست من قطن و لا كتان و انما هي ورقة من اوراق الجنة» و غير ذلك من التعبيرات. و يراد بها حقائق اسلامية واعية لكنها لم تستعمل المداليل الاعتيادية للألفاظ. و انما استعملت الرمزية التي عرفنا معناها في تاريخ الغيبة الكبرى [١].
الصعوبة الثانية: تعمد الاجمال في الروايات و السكوت عن بعض ما سيحدث من الأعمال و الأقوال ... بشكل يبدو بوضوح ارادة المتكلم حذف بعض الحقائق التي لا يجد مصلحة في التصريح بها. كسكوت بعض الروايات عن ذكر مضمون خطبة المهدي في المسجد الحرام اول ظهوره، و سكوت الروايات عن مضمون خطبته في مسجد الكوفة عند وروده العراق. و سكوتها عن كثير من نصائحه و أساليب امتحانه لأصحابه. بل يقتصر على القول: و انا أعلم بما يقوله لهم. و اما ما ذا يقول لهم، فهذا مما لا سبيل إليه.
و مثله ما ورد في عدد من الروايات عن أصحاب المهدي (ع): و أنا أعرف أسماءهم و أسماء آبائهم ... و لكنه لا يسمي واحدا بالمرة.
الصعوبة الثالثة: وجود الفجوات الضخمة فيما ينقل من الروايات، و عدم انحفاظ تسلسل الحوادث بأي حال. و هذا ما كان يبدو مثله في ما سمعناه من التواريخ السابقة، إلا انه في هذا التاريخ أشد تركيزا و وضوحا. فانحفاظ التسلسل الزمني للعديد من الحوادث، يكاد يكون متعذرا. كما أن كثيرا من مهمات الأعمال التي سيقام بها بعد الظهور محذوفة بالمرة. و من الملاحظ أنه كلما تقدم الزمن مبتعدا قلّت الحوادث المنقولة، و ازدادت الفجوات، مضافا إلى ازدياد الرمزية و الاجمال أيضا.
فبالنسبة إلى الصعوبة التي نتحدث عنها، نلاحظ أن الحوادث الواقعة قبل الظهور بقليل أو بعده بقليل، منقولة و متوفرة إلى حد كبير. و اما في الفترة اللاحقة لذلك، فليس
[١] ص ٢١٢ و ما بعدها.