تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٢٣ - الجهة الثانية الفزعة و الصيحة
إلا أن هذه القرينة لا تتم مع ثبوت احدى الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما، فانهما يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمر البشرية، فلا ينحصر أن يكون هذا اعجازيا.
القرينة الثانية: ان اعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور و منبهة للمخلصين الممحصين. و اما مع وجودها وجودا طبيعيا، فتضعف فكرة جعلها علامة إلى حد كبير.
و هذه القرينة أيضا قاصرة، لانها تتضمن غفلة عن معنى جعل العلامة، الذي سبق ان ذكرناه في التاريخ السابق [١] و عرفنا هناك ان السر الأساسي فيه ليس منطلقا من الاعجاز، بل من الإخبار نفسه، حيث يختار قادة الاسلام (ع) شيئا مهما ملفتا للنظر فيخبرون به مرتبطا بالظهور. حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضا صدق ما ارتبط بها في الرواية، و هو أصل الظهور ان كانت علامة مطلقة، أو قربه ان كانت علامة قريبة.
و أضفنا هناك: و من هنا لا معنى لكون بعض هذه الحوادث علامة، إلا إذا ورد في الروايات ذكره، و جعل منها علامة على الظهور.
أقول فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الاعجاز، و ما دام الاخبار موجودا و كافيا للاثبات التاريخي، لا يكون حدوثها (الطبيعي) مخلا بفكرة جعلها علامة.
هذا و ينبغي الالماع إلى ان في هذه الأطروحة الإعجازية، نقطة ضعف و نقطة قوة، بالنسبة إلى (قانون المعجزات). فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية، كما اسلفنا في التاريخ السابق [٢]. و هذه نقطة قوته. و لكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها، و لا أقل من الشك في ذلك، و معه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة. فإذا انحصر الأمر بالأطروحة الاعجازية، كان اللازم رفض الأخبار الدالة عليها، إلا أننا عرفنا عدم الانحصار بها، و معه يتعين رفض هذه الأطروحة و الحفاظ على الأخبار مع حملها على احدى الأطروحات الطبيعية.
الجهة الثانية: الفزعة و الصيحة.
[١] انظر ص ٥٢٩ و ما بعدها.
[٢] انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص ٥٧٥.